ذات مرة وقبل سبع سنوات،وجدت رجلا عجوزا هائما على وجهه،ينام في الساحات العامة،وسط البلد،ملابسه قذرة،مريض،وفقير جدا.

كتبت يومها عن مأساته،فاكتشفت فجأة ان له عائلة تذكرت شرفها فجأة معتبرة ان نشر صوره في الصحيفة اهانة للعائلة الكريمة،ذات الحسب والنسب،ولم اسلم من مكالمات التهديد والوعيد،من ابنائه،واحدهم ملياردير ،فيما والده كان يهيم على وجهه في وسط البلد،الا حين هددت الصحيفة بإعادة نشر الموضوع،إمعانا في الفضيحة،وفقا لما اعتبرته العائلة النبيلة..

سكتت العائلة يومها،وابتلعت غضبها،بعد مفاوضات،وتناست قصة الشرف،التي ادعتها ذات صحوة،مادامت امست امام احتمال نشر مكرر لذات القصة،وبقي الرجل هائما على وجهه في الشوارع،وذريعة الابناء في هجر الاب،انه كان قاسيا،لايتحمل مسؤوليته،ولاينفق على اولاده.

مئات المرات نستكشف حالات لعائلات محتاجة،هجرهم الاهل والاعمام والاخوال،وفي بيوت اخرى تدفع امهات الايتام الايجارات للشقيق النذل او الاب الجشع،واذ تنشر هذه الحالة او تلك تدب الحمية في العائلة بشكل مفاجئ،وقد تتعرض العائلة التي تم نشر مأساتها الى ضرب الاقارب واهانتهم ومقاطعتهم اجتماعيا لانهم شكوا وتذمروا،ولم يقبلوا الستر تحت احذية الاقارب الاشاوس،فهو شرف غير مدفوع الثمن.

اي انفصام هذا يجعل المرء يتذكر شرف العائلة فقط،عندما تخرج المعاناة الى العلن،ولماذا لم يتذكر هؤلاء شرف العائلة عندما كانت الام او الايتام او الفقراء يعانون ولايسأل عنهم احد،لا..بدينار ولا..برغيف خبز،فأي ازدواجية هي عند الرجال خاصة،حين يكون الشرف معناه فقط العورة عند النساء،وليس عند الرجال،او عند سمعة العائلة،ولانراه عند الواجبات او المسؤوليات الاخلاقية،فهذا انفصام عز نظيره في شرق المتوسط؟.

أقرأ تقريرا عن وجود مئات المسنين في مراكز العجزة،وهؤلاء اودعهم اولادهم،وبعضهم تم ايداعه من جانب الدولة،والابن او الابنة التي لا ترحم والدها او والدتها في العجز او المرض،ذئب بشري في غابة،لا اخلاق عندهما،ولا شرف ايضا،لان الشرف يعني فعليا المروءة والنبل والكرم والاخلاق الحميدة،فماذا تبقى من شرف ذويهم اذ يضعون اباءهم وامهاتهم في مراكز المسنين،قرفا منهم،او لان الزوجة لا تريد ان تتحمل هكذا مسؤولية،على الرغم من ان قصصا كثيرة تثبت ان الكأس المرة دوارة هنا،ومن كان شاباً يصهل بلا حد،سيأتيه يوم يعجز فيه ويتعب.

ذات مرة وفي حكاية شبيهة نشرنا حكاية اب عجوز يعيش وحيدا في غرفة تحت الارض ويعتاش من ثلاثين دينارا،وعمره تجاوز المائة عام ووزنه لا يتجاوز الاربعين كيلوغراما،والعجوز المريض المقعد،بلا اقارب يسألون عنه،وبعد نشر مأساته هاج اقاربه،من كل صوب وحدب،لان شرف العائلة تم جرحه اعلاميا،بعد نشر صوره.

أين كان شرف العائلة طوال الوقت الفائت،واين كان شرف الرجال وهم يعرفون ان قريبا لهم يعيش حياة لا تليق بعدوك،فالشرف هنا بات موسميا وانتقائيا،يخضع لمعايير مزاجية،بل ان كل مفهوم الشرف بات ينحصر بعورة الانثى،دون الذكر،ولم يعد الشرف له صلة بمفاهيم المروءة والرجولة والعطف والمبادرة والقوة والمبدأ وغير ذلك؟.

مئات المسنين ينامون في مراكز العجزة في الاردن،وهؤلاء ينتظرون زيارة مسؤول لالتقاط صورة معهم في العيد،او زيارة الابن الغائب،ولعل اكثر ما كان مؤلما في حكاياتهم،ان بعضهم بلا بيانات،وان بعضهم لا يسأل عنهم احد نهائيا،وكأنهم عار ما بعده عار.

لعلك تنادي من وراء جبل لتسأل هل ضمير الغائب مرتاح وآمن لغياب المسن وعدم معرفته اين يعيش وكيف يعيش،وهل طينة هؤلاء من طينة البشر،فيها قلب ووجدان وعاطفة،وهل من يتذكرون سمعة العائلة وشرفها فجأة،يصدقون ان الشرف يكون فقط عند تلقيهم لوخزة دبوس امام مجتمعاتهم،او بحصر مفهوم الشرف بالعورة وحكاياتها؟.

للشرف معنى عميق جدا،ولا يصح ان يكون الشرف انتقائيا او موسميا او يتم تعريفه وفقا لمزاج صاحبه،فالشرف هو الشرف،وهو مثل رقم (1) لايتجزأ،فـإن حاول البعض تجزئته،انشطر الى اعشار وكسور.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   ماهر أبو طير   جريدة الدستور