ما هي آخر المستجدات التي توصل لها العلماء في مجال أدوية الداء السكري؟
قد يتبادر للذهن للوهلة الأولى أن هذا المقال سيتحدث عن مضخات الانسولين المبرمجة أو البنكرياس الصنعي أو ربما حتى زرع الخلايا الجذعية في البنكرياس, وفي الحقيقة فإنّ لك الحق كله في هذا الافتراض.
فخلال السنوات الأخيرة, أخذت الكثير من أبحاث الداء السكري أحد منحنيين:
الطريقة التكنولوجية بالمعالجة, والتي اعتمدت على مضخات الانسولين المبرمجة بتقنياتها المختلفة, وبما فيها الشكل الأكثر تطوراً ألا وهو البنكرياس الصنعي.
الطريقة الحيوية بالمعالجة, والتي اعتمدت على زرع خلايا بيتا بالبنكرياس لتعوّض عن الخلايا المفقودة, وتطوير أساليب جديدة لمكافحة الاختلاط الأكثر تهديداً لنجاح الزرع وهو الرفض المناعي Rejection.
ولكن سواءً أكنت من سكان العالم النامي أو المتطور, فعليك أن تدرك الهوة الشاسعة ما بين طرق المعالجة الرائجة حالياً في تدبير الداء السكري, وما بين اعتماد الطرق المعقّدة والمكلفة المذكورة أعلاه على جميع المرضى السكريين, حيث أنّ عدد المرضى السكريين في الولايات المتحدة الأمريكية لعام 2011 بلغ 8.3 % حسب احصائيات المركز القومي للسكري ومعظمهم من مرضى النمط الثاني مما يجعلهم أصلاً مرشحين ضعيفين لهذه الأنماط من المعالجة, وهذا ما يجعل العلاج الدوائي حتى هذه اللحظة هو أكثر الطرق انتشاراً وقبولاً بين المرضى.
في هذه المقال سنحاول تسليط الضوء على الأنماط الدوائية الجديدة التي تدرس حالياً في محاولة لعلاج والحد من انتشار اختلاطات الداء السكري, وخاصة بشكله الأكثر شيوعاً وهو النمط الثاني غير المعتمد على الانسولين.
إنّ المعالجة الدوائية الحالية للداء السكري تعتمد على عدة آليات:
محسسات الانسولين: وهي تتضمن الأدوية التي تزيد من قدرة خلايا الجسم المختلفة على الاستجابة لتأثير الأنسولين, وبالتالي دعم تأثير الانسولين على دفع سكر الغلوكوز إلى داخل هذه الخلايا, مما يسهم في خفض سكر الدم, إنّ محسسات الأنسولين الرئيسية هي الغليتازونات Glitazonesومركبات البيغوانيد Biguanidesمثل الميتفورمين Metformin.
إنّ الغليتازونات (مثل البيوغليتازون Pioglitazoneوالروزي غليتازون Rosiglitazone) هي شادات انتقائية لمستقبلات نووية تدعى peroxisome proliferator-activated receptor-gammaأو اختصاراً PPAR-Gamma, وإنّ تفعيل هذا المستقبل يؤدي إلى تنظيم عمل الجينات ضمن النواة والمسؤولة عن استقلاب وتركيب ونقل سكر الغلوكوز, مما يؤدي بالنهاية إلى خفض مستويات سكر الغلوكوز والتقليل من حالة ارتفاع الانسولين بالدم.
منشطات الإفراز: وهي تتضمن الأدوية التي تحث خلايا البنكرياس على إفراز الانسولين وهي تتضمن مركبات السلفونيل يوريا Sulfonylureaوالميغليتينيد Meglitinidesومماثلات هرمون الانكريتين Incretin Mimetics (Exenatide)ومثبطات انزيم Dipeptidy peptidas IV(مثل السيتاغليبتين Sitagliptin).
إنّ مماثلات الانكريتين أو ما يدعى اكسيناتايد Exenatideلها آلية عمل مميزة, فهي تقوم بتقليد عمل هرمون يدعى Glucagon-Like Peptide -1 (GLP-1)والذي يقوم الجسم عادة بإفرازه استجابة لتناول الكربوهيدرات وذلك لينشط البنكرياس على إفراز الانسولين بما يتناسب مع حجم الوجبة المتناولة. كما أنّ هذه المركبات تتميز أيضاً بخاصية مهمة وهي أنها الوحيدة من بين جميع المركبات السابقة والتي تعطى بالحقن تحت الجلد وليس فموياً.
إنّ مثبطات انزيم DPP-4بدأت تأخذ انتشاراً واسعاً منذ حصولها على موافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية FDAفي عام 2006, وإنّ عملها يتمثل بتثبيط الأنزيم DPP-4والذي يقوم بشكل طبيعي بتخريب الهرمون GLP-1وهرمونات مشابهة أخرى, وبالتالي فإنّ هذا التثبيط سيعزز من قدرة GLP-1على خفض سكر الدم.
آليات متفرقة: مثل تثبيط أنزيم alpha-Glucosidaseأو مثل الأدوية المشابهة للأميلين Amylin Analogues.
إنّ أكاربوز Acarboseهو مثال عن مثبطات alpha-Glucosidaseوهذه الأخيرة هي عبارة عن أنزيمات تقوم عادة بتفكيك السكريات ضمن الأمعاء, وبالتالي فإنّ تثبيط هذه الأنزيمات سينجم عنه إيقاف تفكيك السكريات إلى غلوكوز وبالتالي منع الأمعاء من امتصاص الغلوكوز الموجود ضمن الطعام.
وهنالك أيضاً مماثلات لهرمون Amylinمثل الدواء الحديث Pramlintideوإنّ الأميلين هو عبارة عن هرمون صغير يفرز من نفس الخلايا التي تفرز الانسولين, وهو يبطئ من حركة المعدة بعد تناول الطعام مما يعطي احساساً بالشبع ويمنع الارتفاع السريع لمستويات سكر الغلوكوز بعد الوجبات.
والآن, ماذا بعد؟
مماثلات الانكريتين مديدي التأثير (مرة أسبوعياً)
بعد حصول Byetta®على موافقة الـ FDAكأول مماثل انكريتين في عام 2005, استطاعت عدة شركات أدوية تصنيع مركبات مختلفة مصممة للحقن تحت الجلد يومياً, وحازت على الموافقة كمعالجة داعمة للسكري.
حالياً, تم تطوير مركب جديد دعي Bydureon®كأول مماثل GLP-1يعطى بحقنة واحدة أسبوعياً, وهو الآن في المرحلة الثالثة من التجارب السريرية, حيث أظهرت الدراسات السابقة أنّه أدى إلى ضبط أفضل للسكر وساهم بإنقاص مستويات الخضاب الغلوكوزي HbA1cمقارنة بالصنف القديم Byetta®. إضافة إلى ذلك فقد أظهرت الدراسات تفوق Bydureon®في ضبط الخضاب الغلوكوزي وإنقاص الوزن مقارنة بالبيوغليتازون Pioglitazoneوالسيتاغليبتين Sitagliptinوحتى مقارنة بالانسولين طويل الأمد Glargine.
مثبطات SGLT-2
تعتبر الكلية عضواً محافظاً جداً عندما يتعلق الموضوع بسكر الغلوكوز, حيث أنها تعمل ومن خلال الأنابيب الملتفة القريبة Proximal Convoluted Tubulesعلى امتصاص معظم حمل الغلوكوز والذي قد يجد مسرباً إلى البول, حيث أنّ أحد النواقل الموجود على هذه الخلايا ويدعى Sodium-Glucose Cotransporter-2واختصاراً SGLT-2يستطيع نقل معظم الغلوكوز من الرشاحة البولية إلى الدم وذلك باستخدامه لفرق تراكيز الصوديوم, ولا يمكن تجاوز هذه الآلية إلا إذا كانت مستويات الغلوكوز في الدم مرتفعة عن حدّ معين.
تبقى هذه الطريقة, ورغم نجاعتها في الحفاظ على الغلوكوز من الهدر في كل مرّة نقرّر التبول بها, هدفاً مغرياً للعلماء الذين يبحثون عن وسائل للتخلص من الفائض الغلوكوزي من الدم كما هو الحال عند مرضى السكري.
تمّ تطوير داباغليفلوزين Dapagliflozinكأوّل مثبّط انتقائي لـ SGLT-2وبذلك فهو يعمل على زيادة طرح الغلوكوز في البول, وإنّ قدرة هذا الدواء على خفض تراكيز الغلوكوز تعتمد على طرحه عبر الكلية, وبذلك فهو مرتبط بقدرة الكلية على التصفية وليس بمستوى الانسولين في الدم.
ورغم أنّ هذا الأمر يقلل من مخاطر حدوث نوب لهبوط السكر إلاّ أنها تجعل عمل Dapagliflozinأقل فعالية مع انخفاض قدرة التصفية الكلوية نتيجة لتدهور وظائف الكلية.
تم تقييم العلاج بـ Dapagliflozin(بجرعتين 5 و 10 ملغ) بالمشاركة مع الميتفورمين مقارنة مع المعالجة المفردة بأحد الدوائين وذلك في دراستين منفصلتين. وفي كلتا الدراستين واللتين استمرتا 24 أسبوع تبيّن أن المعالجة بالمشاركة حققت نتائج أفضل في ضبط السكر وخفض الخضاب الغلوكوزي HbA1cمقارنة بالمعالجة المفردة, كما تبين أنّ المرضى اللذين تلقوا العلاج بـ Dapagliflozinحققوا نقصاً بالوزن أكثر مما فعل المرضى المعالجين بالميتفورمين, وإنّ الأثر الجانبي الأهم كان إنتانات المجاري البولية.
لقد صوتت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية FDAعلى عدم الموافقة على هذا الدواء الجديد في 19 تموز 2011 وذلك نتيجة لوجود ارتفاع غير مفسر في معدلات سرطات المثانة والمثانة عند متلقي العلاج.
شادات PPARالمزدوجة Dual PPAR Agonists
لقد ذكرنا أعلاه أنّ الغليتازونات Glitazonesتعتبر من شادات PPAR-gammaوإنّ هذا التفعيل للمستقبلات النووية يزيد من حساسية خلايا الجسم لعمل الانسولين. يتم حالياً تطوير مجموعة جديدة من الأدوية تدعى شادات PPARالمزدوجة وذلك لقدرتها على تفعيل كلّ من مستقبلات PPARبنوعيها الفا وغاما بنفس الوقت, والجديد بالذكر أنّ العمل كشادات انتقائية للمستقبلات PPAR-alphaمن المفترض أن يكون هو آلية تأثير مجموعة دوائية تدعى بالفيبرات Fibratesوالتي تقوم بإنقاص مستويات الشحوم الثلاثية ورفع مستويات الكولسترول عالي الكثافة HDLفي الدم. يعتقد أنّ هذه المجموعة الدوائية الجديدة وهي Dual PPAR Agonistsستجمع فوائد الغليتازونات والفيبرات في نفس الوقت.
أثبتت المرحلة الثانية من الاختبارات على أحد أفراد هذه المجموعة الجديدة ويدعى Aleglitazarقدرة على خفض سكر الدم مع تحسين الملف الشحمي للمريض وذلك عبر إنقاص مستويات الشحوم الثلاثية ورفع مستويات الكولسترول عالي الكثافة HDLوبدون آثار جانبية خطيرة. يتم حالياً دراسة Aleglitazarفي إحدى التجارب السريرية لتقييم قدرته على خفض الحوادث القلبية الوعائية عند المرضى السكريين وأمراض القلب الاكليلية.
مفعلات أنزيم Glucokinase
يمر سكر الغلوكوز أثناء استقلابه داخل الخلايا بعدة مراحل, وتعتبر فعالية أنزيم Glucokinaseأحد العوامل الفاصلة في تحديد معدل هذا الاستقلاب.
أظهر أحد مفعلات أنزيم Glucokinaseويدعى Piragliatinفي دراسة عشوائية ثنائية التعمية أنه قادر على تحسين وظيفة خلايا بيتا في البنكرياس وذلك ضمن المرحلة الأولى من الدراسات التي تجرى على هذا الدواء, مما يجعل منه مرشحاً محتملاً في الاستراتيجة العلاجية للداء السكري.
مما لا شكّ فيه أنّ الداء السكري والذي يعتبر من أحد أدواء العصر سيبقى في المستقبل القريب هدفاً للعديد من الدراسات والتجارب, ونحن نأمل أنّ التقدم الذي نحرزه في فهمنا للفيزيولوجيا المرضية للسكري سيسمح لنا بابتكار وسائل أكثر فعالية وراديكالية في العلاج.
المراجع
sehha.co/art/details-3955.htmlالموسوعة الطبية العربية
التصانيف
حياة