أ وليد الطيب
كاتب سوداني

قبل سفره لأمريكا بيوم واحد قال سلفاكير أن الأزمة بين الشريكين اقتربت من الحل، وفي ذات الأثناء قال المبعوث الأمريكي ناتسيوس - بعد أربعة أيام قضاها في السودان- أن ثمة صفقة قد توصل إليها طرفي النزاع في الحكومة السودانية، وستُعلن قريبا، وما ان وطئت أقدام سلفاكير أرض الولايات المتحدة الأمريكية حتى انقلبت اللغة إلى رطانة أخرى والوجوه إلى أقنعة متصلبة لا وُدَّ فيها مع قادة البلاد في الحكومة والمعارضة، على شاكلة؛ إن المشير عمر البشير رئيس الجمهورية على قناعة بإمكانية شراء الجنوبيين بالمناصب وبالأموال، وأن الميرغني لا يمكن التواصل معه فهو ينتقل من بلد إلى بلد ، وهو بحد تعبير الزميلة(الأحداث) (مجهجه) وأن الصادق المهدي مايزال في موقفه الرافض لاتفاقية السلام، فسلفاكير يريد أن يقول باختصار شديد : أن الشمال كله حكومة ومعارضة يتخذ موقفاً سليباً من الحركة الشعبية خاصة والجنوب بعامة، ولكن سلفاكير لا يتورع أن يسير مسار الجمل، فيمضي غير ناظر لعوج رقبته، ويسافر إلى واشنطون بعد ساعات قلائل من عودة ناتسيوس المبعوث الأمريكي الخاص للسودان ومدير المعونة الأمركية بالسودان سابقاً، ولا حرج في أن يسافر النائب الأول ورئيس حكومة الجنوب لأي دولة في العالم ولكن الحرج كل الحرج والعوج كل العوج أن يمضي إلى هناك دون الاجراءات البرتكولية –المعبرة عن السيادة والاحترام للدولة- وأبسطها إشراك السفارة السودانية في زيارته واتصالاته، والسفير جون أوكيج-الرجل الوطني المخلص-هو عضو في الحركة الشعبية، ولكن سلفاكير يفضل مكاتب الحركة الشعبية على السفارة السودانية هناك، مثلما فضّل أن يذهب إلى هناك بلا أجندة معدة أو حتى مقترحة باعترافه في المؤتمر الصحفي الذي عقده قبيل سفره، ولعل الرئيس البشير مصيبا حين قال في لقاء مع قناة "الجزيرة" الإخبارية إن زيارة كير إلى واشنطن رتبت مع مكتب الحركة الشعبية بواشنطن وليس مع السفارة السودانية ، ومضى بالقول:" من حقنا التشكك في لماذا تتم دعوته ، ولماذا لا تكون وزارة الخارجية جزء من هذه الزيارة ".
فإذا كان رئيس حكومة الجنوب ينقلب رأسه رأساً على عقب عند أول لقاء له بالأمريكيين، ويتحول من الصداقة إلى العداء.. بل والسباب، فإن على المواطن المسكين في بطانة أب سن وفي أم بكول الطيب صالح ولبب حاج شريف أن يمتلئ خوفاً من نائب الرئيس هذا، بل وأن يخاف كل جنوبي يسير الطرقات، وأن يدعو ربه ليل نهار أن ينفصل الجنوب قبل انسلاخ الليل من النهار وولوج النهار في الليل، فالمواطن في شمال السودان لم يعد يأبه كثير لقضية الوحدة بين الشمال والجنوب بل هناك قناعة عامة أن الجنوب أقرب للانفصال منها للوحدة حتى أن سلفاكير أخبر عن الرئيس البشير أن مقتنع بأن الانفصال هو أقوى الاحتمالات في استفتاء 2011م، كما لم يعد الشماليون حريصون على نفط الجنوب فأي خير للنفط إذا فقد الناس الأمان، فنيجيريا دولة مصدرة للنفط وشعبها فقير، والشمال لا يعدم الموارد ويمكن أن يتحول لأكبر دولة زراعية في أفريقيا، تصدر السكر والفواكهة والزهور والصمغ العربي لكل العالم، ويدعم هذا الشعور المتصاعد الحاد للعنصرية ليس في السودان، فحسب بل في كل العالم، والتي يعبر عنها في الغرب لغة مهذبة تحت مسمى (ظاهر الخوف من الأجانب).
ولكن العقلاء من أبناء الشمال والجنوب يعلمون أن الوحدة كلها خير لو كان السلام والاستقرار من صويحباتها، ويعلمون أن الجنوب ينزلق لحروب داخلية تطال كل شئ فيه بل وقد تمتد للشمال، فلقد رأينا أبناء القبائل الجنوبية يتقاتلون في مصنع السكر بسنار لسماعهم أن قتالا دار بين أصولهما في الجنوب، ويسقط في سنار عشرات الضحايا لصراع لم يشهده، والشمال مازالت دارفور تؤزه أزَّ ، فقادة الحركات سلموا(دقونهم للخارج) والخارج لن يترك الشمال ليكون دولة متقدمة ومؤثرة في أفريقيا ؛ وتحمل الإسلام والعربية إليها.
وهؤلاء العقلاء حائرون أمام الصراع العبثي بين القوى السياسية السودانية، حزب حاكم متشبث بسلطة خوفا من شركا غير مأمونين في مواقفهم وتحالفاتهم وهي الأحزاب الشمالية، وشريك في الحكم يرفض أن يكون للقوى الجنوبية أي نصيب في الثروة ويسمح بقدر يسير لا يتجاوز الـ 6% ليشاركها في السلطة .
والعقلاء حائرون أمام مجتمع ينتقل بسرعة من طور المجتمع الزراعي الشرقي في قيمه وعاداته إلى رأسمالي فردي متغرب في فكره وسلوكه وأخلاقه، وينقسم بحدة إلى أغنياء مترفون وفقراء تطحنهم الحاجة والمسغبة.وحائرون أمام عدوان خارجي يكيد
فأين المخرج من كل ذلك؟
والذي يبدو من خلال هذا الواقع المعقد أن المخرج هو أن تتداعي القوى السياسية والمفكرون والأكاديميون لمؤتمر جامع ، يعاد فيها تعريف كل الأشياء، بما فيها طبيعة الدولة وهويتها وحقائق الواقع الماثل وعلى ضوء هذه الحقائق يعاد تأسيس الدولة من جديد عبر عقد اجتماعي يحفظ للمسلمون حقهم في أن يتحاكموا لدينهم ولغيرهم حظهم في استثناء أنفسهم من ذلك، وبغير ذلك، فإن مفاهيم المواطنة الواحدة للسودان التي يروج لها المثقفون والحزبيون العلمانييون لهي منجل يحصد الشريعة من أساسها، فهي في أصلها مفاهيم عدوانية للأديان وتسعى لإزاحتها من أمامها في مجمل الشأن العام، ولن تدعى الشريعة أهلها والمؤمنين في ذلك الهوان بل ستتعقب هذه لتجتثها من جذورها، وبغير هذه المعادلة الموزونة ، فلن يكون هناك سودان

المراجع

شبكة المشكاة الاسلامية

التصانيف

تاريخ  أحداث  أحداث سياسية