كان يشعر بفراغٍ قاتلٍ بعدما رحلت زوجته مصطحبةً ولدهما الوحيد ، ذهبت في إجازةٍ طويلةٍ لمدة شهرين لزيارة الأهل والأقارب ، فالبقاء هنا في هذا البلد الخليجي صيفاً لا تُطاق ، فالحرارة عاليةٌ ، والنَّاس كلُّهم رحلوا ، فارتأيا أن ترحل ويبقى ليعمل في الصيف سعياً وراء لقمة العيش ..
حسب لأوَّل وهلةٍ أنَّ ذهابهما سيوفِّر له جوّ فراغٍ تاق له كثيراً ، ليمارس هوايته في الكتابة والتأليف والقراءة ، فالضجَّة التي كان يخلِّفها خالد - ابنهما – لا تتيح له الفرصة لعمل شيءٍ إلاَّ إذا نام ، وكان لا ينام إلاَّ إذا ناما ، ولكن منذ اللحظة الأولى لمغادرتهما شعر بالوحشة ترمي أحضانها عليه وتجذبه إلى قاع الوحدة السوداوي الكئيب ، فلقد اعتاد القراءة والكتابة على وتر وجودهما معه ..
حاول أن يشغل وقته بالمطالعة ، وفي البيت يجلس إلى طاولته ويدوِّن على أوراقه خواطره وأفكاره ، وأحياناً يتسلَّى بمشاهدة التلفاز ، ويتجاذب الوقت مع الحاسوب ، ولكن ما كان ذلك ليصرفه عن الذكريات .
إنَّ الخلق حين يفرُّون إلى ميدان الذكريات ، تخطر لهم لحظات السعادة مع من يحبون ، لتكون لهم زاداً في مواجهة مشاقِّ الحياة ، أمَّا هو فلم يعد يذكر إلاَّ مفردات الخصومات التي كانت تنشب بينهما لأتفه الأسباب ، وشعر بالحزن والندم على ما فرَّط في حقِّها ، فكم آذى روحها المرهفة كالفراشة في ربيعٍ زاهٍ ، وكم آلمها برعونته وطيشه ، وصرخ يناديها ، لكنَّ الصرخة اختنقت بين شفتيه ، أهكذا يفعل المحبُّون ؟ .
لم يكن يعلم أنَّه يكنُّ لها كلَّ هذا الحبِّ ، صحيحٌ أنَّهما اقترنا ببعضهما بعد قصَّة حبٍّ راسخةٍ ، غير أنَّ حبهما خفَّت حدِّته بعد اقترانهما ، وأيقن أنَّ سفرها قد أعاد شعلة الغرام إلى اتِّقادها بينهما ، وزاد من تعلُّقه بها .
خرج من باب الدار إلى غير هدفٍ ، ومشى على قدميه بعد أنَّ ملَّ من ركوب السيَّارة ، وألفى نفسه عند السوق ، وراقب الخلق رجالاً ونساءً مشغولين بشراء الطعام أو الثياب ، وحين همَّ بالشراء وجد نفسه تعاف كل شيءٍ دون زوجته .
وانعطف إلى كورنيش البحر ، ما أكثر الخلق الذين يسيرون عليه ، بين مازحٍ وضاحكٍ ، وبين ممارسٍ للرياضة ، وبين جالسٍ مع زوجته وأطفاله يتناولون العشاء أو يشربون الشاي والمشروبات الباردة ، وتمنَّى في هذه اللحظة لو كان معه ولده وزوجته ينعم بدفء العلاقة الأسريَّة معهما .
وقف يتأمَّل أمواج البحر الرقراقة ، وبدت له ناطقةً تعاتبه ، فشكا إليها وحدته القاتلة فطلبت منه أن يتحمَّل ، فهمس : " الملل والضجر يا بحر ملأا روحي " ..
فأجابه البحر بموجةٍ تلطم الشاطئ ثمَّ ترتدُّ مخلِّفةً زبداً أبيض .
وواصل مسيرته الحائرة في شطآن الذاكرة التائهة .

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب