من على قارعات الوجع: تبدأ عصفك اليومي.. من امرأة تدق بابك و تأوي إليك بدمعتين لأنها لم تجد ثمن فطور لأيتامها الستة.. إلى طفل يحمل دفتر عائلة مهترئْ من حثيث الاستعمال: يستحلفك بأطفالك أن تشفق عليه وعلى إخوته لأنهم للآن لم يتجهزوا لاستحقاقات المدرسة الباهظة.. وليس وصولاً إلى عجوز خرجت من بيتها مع خيوط الصباح فوصلت إليك قبل الظهر: تطلب منك أي شيءْ كي تعود إلى بيتها غانمة بأي شيء..

يا الله: يا الله كم توجعني تفاصيلي اليومية هذه الأيّام.. أنام على قرع الباب وأصحو على قرع الباب.. و لحظي أن لبيتي بابين (باب من جهة الشرق) و (باب من جهة الشمال).. لذا فالطرق مزدوج ليكون الألم مزدوجاً أيضاً.. كل القادمين إليّ يستحلفونني.. كلهم عاطلون عن العمل.. كلهم معهم تقارير طبية بأخطر الأمراض.. كلهم تسقط الدموع من أعينهم قبل أن تسقط الكلمات من أفواههم.. حتى وأنا أكتب إليكم الآن بالضبط: فهو على أنغام قرع الباب غير المموسق وغير المتزن..

أما لماذا يقرعون بابي أنا.. فلأنني قبلت أن أحمل أمانة من محسن كبير وأوزعه على الأكثر فقرا والأكثر حاجة.. لأكتشف أن الجميع و بوثائق رسمية يأتون بها هم الأكثر فقراً والأكثر حاجةً وجوعاً.. حتى الأقرباء و المعارف تحولوا فجأة إلى أناس بحاجة ماسّة.. وتصلني منهم رسائل عتاب شديدة اللهجة..

ومن غرائب ما رأيت: امرأة جاءت تستحلفني أنها ليس معها ولا مع ابنها العاطل عن العمل (حق دخان).. تريد (حق دخان بس).. ورجل وقور بسيارة نصف فارهة يريد (بس خمس ليرات يحط بنزين).. والأغرب من ذلك كله: طفلة لم تتجاوز العشرة أعوام.. كلما كانت تأتيني منذ عام: كانت تبكي بحرقة شديدة على وضع أبيها و أمها وأخوتها.. والأمراض التي لديهم.. وذات مرّة طلبت منها اسم أبيها لأحصّل لها (معونة محترمة ودائمة).. أعطتني الاسم والعنوان.. ركبتُ سيارتي وزوجتي وبحثتُ عن هذه العائلة.. لم أجدها.. لم أترك أحدا لم أسأله.. ولم أجد لها أثراً.. و تكررت العملية معي ثلاث مرات من نفس الطفلة.. وكل مرّة تدعي بأنهم رحلوا.. وفي آخر مرة رفضتُ اعطاءها أي شيء إلا بعد إحضارها لدفتر العائلة.. وبعد أن أحضرته.. يا لهول المفاجأة.. إنها من بنات جيراننا.. بيني و بينهم رمية حجر..

تجربة قاسية ما زلتُ أعيشها.. فيها نوادر مؤلمة.. ولكنّ فيها قصصاً لا تقف على وجع واحد..


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   كامل النصيرات   جريدة الدستور