هناك نوع من الاستعراض أو فرد العضلات عند نوعية من الأشخاص.. يتسابقون في إخراج بطولاتهم الزائفة إلى سطح الحوار : فيصبح الحوار سطحياً لأنه لا توجد به إلا نقطة واحدة هي لفت الأنظار إليه.. ولو بطريقة مريضة.. ،،.
كان لي صديق زمااااااااااان.. .عنده محاولات شعرية.. كلما جلسنا في جلسة ورأى فيها شخصاً غريباً : يبدأ صديقي (يتحقرص) و تدبّ فيه (الحكيكة) ويريد بأي طريقة أن يوصل للشخص الغريب معلومة إنه شاعر.. ،، نتكلم عن مجاعة الصومال أيامها : يقطع حديثنا و يقول : (أنا كشاعر : أرى أن.. ) ويكمل بطريقة ليس للصومال علاقة فيها.. .و عندما لا يلتفت اليه الشخص الغريب و لا يقول له : الأخ شاعر.. ؟ يظل يقطع حديثنا كل شوية : حتى لو تحدثنا عن مشكلة عائلية لأحدهم ويقول : أنا كشاعر أرى أن.. .،،.
تكررت حكاية صاحبنا عشرات المرات في عشرات الجلسات.. وظلت جملة (أنا كشاعر) لازمة لا تفارقه في بداية كل فقرة لحديثه.. .حتى أصبحت مجالاً للتندر من وراء ظهره.. .فقررتُ أن أضع له حداً.. .جلستُ معه على انفراد.. احترتُ بالطريقة التي سأفتح فيها الموضوع دون أن أجرح مشاعره.. وأخيراً أوصلتُ له الفكرة بأنّ تكرارك لجملة (أنا كشاعر) مش حلوة بحقك.. خلّي الناس لحالها تكتشف أنك شاعر.. ولا تستخدمها إلا في حديث الشأن الثقافي : تكون مقبولة أكثر.. ،، فاجأني بأنه استوعب الفكرة.. وشكرني على حرصي عليه.. ولم يغضب.. ووعدني بألاّ يستخدم هذه العبارة أمام أحد إطلاقاً.. ،، فرحتُ لهذا النصر الكبير الذي أنجزته.. وأبلغتُ المقربين بنتائج جولتي مع صديقنا.
وفي لحظة التجربة.. وعند أول جلسة اشترك بها صاحبنا : وكان بها أكثر من واحد غريب لا يعرفهم.. كنا نتحدث عن في موضوع عادي جدا.. و صديقي لا يتكلم : ويكتفي بالنظر إليّ بعينين جاحظتين كل شوية.. ،، الحديث يتواصل.. وهو يهمّ بالكلام ولكنه يتراجع.. .،، الكل يشارك بالكلام : عداه.. ظل صامتاً و يحرك برجليه بالأرض.. وعيونه تعاود النظر إليّ.. ،، فجأة و دون مقدمات قال : (نحن الشعراء نرى أنه.. .) وأكمل بقية كلامه.. وبعد أن انتهى قال لي : شايف : ما حكيت أنا كشاعر.. ،،.
وأنا (ككاتب) و (كساخر) أقول لكم : (نحن الكتّاب) أو (نحن الساخرين).. نستعرض الأنا التي في داخلنا كي نشعر أننا ما زلنا على قيد المقاومة.. ،، فامنحونا فرصة كي نستعرض عليكم أكثر.. ،،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة كامل النصيرات جريدة الدستور