منذ زمن لم أشترك في فاردة...،، كل الفاردات كانت تزعجني.. أعتبرها ضجيجاً وضوضاء.. إلا فاردة يوم الجمعة التي ضعت فيها..،، كنتُ أشعر بنشوة غريبة.. فهي لحمزة.. ابن (أبو حمزة الكركي).. رفيق الحرف والقهر والجرح..،، حمزة كبر الآن.. صار عريساً يزيّنه العنفوان..،، ياااااااااااااااه.. قد كبرنا يا أبا حمزة.. أليس هذا حمزة الذي كان يسلّم عليّ بخجل قبل سنوات.. لأنه طفل يخجل من ظلّه.. هو نفسه من كان يرقص بنشوة أوّل أمس ولم ينقطع وجهه عن الابتسام..،،.

الله الله يا أبا حمزة.. حينما رأيتك وأنت تصفّق وترقص بشيبك وسط الشباب.. قلت لنفسي: هذا هو أبو حمزة المُتزن..؟ لكنني تذكرت أنه فرحك الأوّل.. ودقّقتُ النظر في عينيك.. في كل عين دمعة ترسل بريقها من شاطئ عينيك ولا تنزلان..،، والله انك كنت تود البكاء.. أنا أعرفك.. وحين شددت يدي لأرقص معك.. لم أتخيّل ذلك.. في عرسي لم أرقص حتى..،، قلت لي: بس بأوّلها و بعديها عادي..،، وفعلاً شعرت بأنه عادي... وصفّقتُ كما لم أصفّق من قبل..،، ولو شجّعني أحد لما تنازلتُ عن قيادة (العراضة) بنفسي..،،.

كبرنا (يا أبو حمزة يا كركي).. كبرنا يا صديقي.. عمري توقّف عند العشرينات.. ولا أتذكر أنني على مشارف الأربعين إلا حينما تلطشني كلمة (عمو) من هنا.. أو يا (حج) من هناك.. وأول أمس حينما لمحتُ بشيبك كل عمري الذي مضى...،،.

لا تعلم حينما اقتربت مني وسط الضجيج وقلت: عقبال ما تفرح بابنك وطن...،، ماذا فعلت بي..؟ زلزلتني.. لا أريد أن أتخيل المشهد.. وطن ذو السنتين.. أركض به الآن عشرين أو ثلاثين عاماً للأمام.. وأنا في خريف العمر... ياااااااااااااه...،، على عكازتين وبنظارتين سميكتين وبخطوط تملأ وجهي وبشعر يشفق عليه البياض وبصوت سقطت منه نصف الأحرف..،، لالالالالا.. لا أريد أن أتخيل..،، والله ما زلتُ صغيراً على ذلك..،،.

ولكني سأصارحك كعادتي معك.. كنتُ أودّ أن أخطفك في تلك اللحظات..،، وانتبذ معك مكاناً قصيّاً.. وأرمي نفسي على كتفيك.. وأبكي بكاءً جديداً.. وأقول لك: مبروك يا صديقي.. فلقد كبر حمزة وصار عريساً.. ومبروك يا صديقي لأننا أيضاً كبرنا ولم يعد في وسعنا أن نُخفي الحقيقة.. إنها الدنيا: تمشي بك وأنت لا تعي نهاية الطريق..،،.

مبروك يا صديقي.. فلقد كان زفافاً لروحي أيضاً..،،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   كامل النصيرات   جريدة الدستور