أمّي الأميّة هي أكثر امرأة شغوفة ببرنامج "صحتين وعافية" أو البرامج المُستنسخة عنه والمخصصة لتعليم الطبيخ..،، من أيام تلفزيوننا الأبيض والأسود وأمّي ما كانت تضيّع حلقة.. بل تشتغل معها لُغة "الأُص والهُس.. والأقعد.. وانطم ولا كلمة.. الى آخر كلمات هذا القاموس القمعي"..،،. وتصاعدت الحالة مع أمّي.. وصارت بعدها بسنوات تجلس إحدى أخواتي إلى جانبها وتعطيها ورقةً وقلماً وتقول لها: اكتبي المقادير بالزبط يا بنت..،، ومع أن أمّي ذات "المدرقة السوداء" طبّاخة شاطرة وليست بحاجة إلى حضور أي حلقة من هذه البرامج: إلاّ أن الحنونة تصرّ على الحضور تحت حُجّة حالمة: هي "اسكتوا خلّينا نسمع.. بدّي أطبخلكوا هاي الطبخة"..،،.
تمرّ الأيام.. ويصير عندنا تلفزيون ملوّن.. ويصير برنامج الطبيخ على التلفزيون يبثّ يوميّا.. ويد أختي لا تتعب من كتابة المقادير.. وأمّي تصرّخ فيها: اوعي تنسي اشي: تخرب الطبخة بعدين.. اكتبي أربع معالق ووضحي الأربعة زين عشان تعرفي تقريها بعدين..،، وتجمعت أوراق كثيرة.. اضطرتْ بعدها لشراء دفتر كبير جداً.. وعلى ليلتين تم نسخ كل الأوراق المنفصلة على الدفتر الكبير..،،.
وتمر الأيّام كمان وكمان..ويصير عندنا "ستالايت".. وبدلاً من برنامج واحد للطبخ.. عندنا الآن مئات البرامج وبأشكال وأساليب أكثر تطوراً.. ولكنّ أمّي الشغوفة بهذه البرامج لا تتابع ولا برنامج: يجوز تريدها كلها باسم "صحتين وعافية".. أو أن أمّي بطّلت تركّز من كثرة البرامج.. أو لأن أختي بطّلت ترد عليها.. أو لأن هناك سببا منطقيا وحيدا.. سبب يجعل أمّي الأميّة تستسلم لواقعها أخيراً ولا تركض وراء أحلام بسيطة ولو بحجم طبخة شافتها على تلفزيون..،، السبب هو: بعد خمس وعشرين سنة من المتابعة الحثيثة وكتابة مئات الطبخات ونقلها على الورق.. على الورق فقط.. لم تطبخ أمّي ولا طبخة من اللي شافتهن أو حرصت على كتابة مقاديرهن..،، وظل دفترها الكبير شاهداً على حياة العرب النظرية.. وأنهم أمّة تجيد النقل والنسخ والاستماع.. ولكنها للآن لا تعرف كيف تبدأ؟ ولو بطبخة يتيمة تمنتها ذات يوم أمّي ولم تحوّل أمنيتها إلى حقيقة..،،.
الأمر ليس بحاجة إلى "طبّاخ": فأمّي شاطرة.. الأمر بحاجة إلى الخطوة الأولى فقط..،،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة كامل النصيرات جريدة الدستور