و أنا أشاهد فيلم داليا كوري ( عمان شرقية غربية ) خرج من فراش ذاكرتي ولد يشبهني في التفاصيل : هذا الولد موجود في مدرسة في قرية نائية تشبه مدرستي ..داخل المدرسة صفوف : هذه الصفوف تشبه كل الصفوف التي درستُ فيها ..فتأكدتُ حينها أن الولد هو أنا و أن القرية الفقيرة هي قريتي وأن المدرسة هي مدرستي و أن الصفوف هي صفوفي ..،،
نحن أبناء المشي يومياً و الأبواط البلاستيكية ومصروف ( الشلن ) الذي لا يتوفر أحياناً : في كل صفوفنا كان هناك ولد لا يشبهنا ..ولد يتحمم كل يوم ..ملابسه معطّرة ..وبوطه خارج الوصف ..و الأهم من ذلك كله كانت دفاتره غير دفاترنا : و أقلامه و برايته ..حتى المسطرة لم تكن خشباً ولا أم العشرين سانتي..،،
الطبقية كانت معنا في كل مراحلنا ..وما عمان الغربية و الشرقية إلا صف من صفوف قريتنا النائية ..من حقّنا أن نتطلع لهم بأنهم ( فوق فوق ) و من حقهم أن ينظروا إلينا كمسرح يعرضون بضاعتهم عليه : مكتوب عليه ( للفرجة فقط ) ..،،
ورغم روعة فيلم داليا كوري : وما حرّك فيّ من مشاعر ..إلا إنها لم تضبط التفاصيل التي أبحث عنها ..وإن سلطت على الناحية التعليميّة ..ولكن عنوان الفيلم يوحي بغير ذلك ..،،
لم تتكلم داليا عن ( الدادا أو الخدامة ) كثابت في عمان الغربية : بينما الخدّامة في الشرقية هي الأم وأبناؤها في رعايتها بالكامل ..،، لم تتكلّم داليا عن احترام ابن عمان الشرقية للمواعيد بكافة أشكالها : بينما ابن عمان الغربية لا يحترم إلا موعده مع ابن عمان الغربية فقط : و بقية المواعيد خاضعة للتبرير و الاعتذار . وعلى الطرف الآخر القبول ..مهما عانى الطرف الآخر من عذاب و مشقة للوصول إلى الموعد ..،،
عمان الشرقية و الغربية ليستا مكانين ..ولا مكاناً واحداً ..بل رؤية متكاملة لصراع داخلي غير معلن ..ومهما بذل فيه الطرف ( إللي فوق ) من جُهد : لن ينجح في القبض على التفاصيل و المفارقات إلا بحجم حدقة عينيه فقط ..لأنه يرى الأشياء من على موعدْ غير متقن ..ويراها و تلفونه لا ينتهي من الرصيد و ان كان مغلقاً في حالات الضرورة ..،،
أبدعت داليا في تحريك الراكد ..ولكن حاذري من الوقوع في فخ ( أنا معجوءة ) لأنه فخ من صنع عمان الغربية لأبناء الشرقية ..،،
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة كامل النصيرات جريدة الدستور