كلنا الآن نبحث عن الدفء. قبل أيّام كنّا نتذمر. والآن الآن وليس غداً نتوحوح من البرد. كلنا نعزف "نشيد الوحوحة". كلنا "في البرد أحُّ". ومن نافل القول أننا في البرد لنا طقوس. طبعاً أنا أتكلّم عن الأردنيين ولا دخل لي بالشعوب الأخرى ، كل شعب حرّ بوحوحته.

الأردني في أوقات الوحوحة ، يجلس في البيت ويحكي "الجو برّا زفت وما ينطلع" ويظل قاعد "بوزو" في بوز الأولاد ، والأهم بوز أم الأولاد. وهذا يعطيه شعوراً بالدفء لأنه كلما نظر إلى بوز أخرج "آه" تهد الجبال ، ومع تكرار الآه على مدار الدقيقة يحصل عنده حرارة في القفص الصدري تتوزع تلقائياً على باقي أنحاء الجسم.

والأردني في فن الوحوحة ما يعرف حدا. فهو يجيد "اللبد" تحت اللحاف ويتقن نغمة "إلبدْ إلبدْ ، عم بتشتي الدنيا تلج" ، والجو برّا لا يكون إلا نقطتين ميّة وإذا دققنا فيهما وجدناهما واقعات من غسيل الجيران المعلق على البلكونة. ومع ذلك يصر أن الدنيا برا "السماء مدرارة".

والأردني ، إذا توحوح ، فإنه يتشلّح. وهو الوحيد كلما شعر بالبرد يتشلّح ، والسبب منطقي عند الأردني. إذا لبس ملابس كثيرة سيضيع البرد ، والأردني لا يحب "ضياع" أي شيء ولا يحب أن يتسبب في تشتيت شمل البرد وأهله. لذلك فإنه يتشلح في البيت ليلعب مع البرد لعبة "الأح أح أحووووه".

راح المزح وجاء الجد. الجو آخر وحوحة. يجب أن أذهب للزرقاء عندي أمسية ساخرة مع أحمد أبوخليل في نادي أسرة القلم ، وهي مؤجلة من يوم السبت. أم وطن بدها التلفزيون على عمّان عشان تشوف أخبار المطر والثلج. ابنتي بغداد تريد الثلج وهولا يأتي أيضاً للسنة الثانية على التوالي. وابني وطن يريد "سبيس تون". وابنتي جيفارا لا يهمها أي شيء في التلفزيون ومنشغلة تماما في الرسم. أما صغيرنا غاندي فهو يمسك بـ"غليونه ـ الرضعة" ونازل مجّ ليوم المج.

أمّا أنا. فأبحث ككل الأردنيين عن بقايا جرة غاز ، كي أُشعل الصوبة وأقطع على الوحوحة الطريق كي لا تصل إلى مبادئي ، تلك المبادئ التي حرمتني من بناء القصور وأنا أجثو على ركبتين لعلي أجد طوبة تكون أوّل البناء لغرفتين صغيرتين.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   كامل النصيرات   جريدة الدستور