خطرت بباله فكرة مكرّرة ومُملّة.. لكنه أصر على تنفيذها ككل مرّة.. هو يهوى التفكير ويهوى الأفكار ويهوى التنفيذ.. من يومه الأول وهو يقنع نفسه كل لحظة بأنه عبقري.. لذا تقدّم نحو الدش ، وتأكد أن به ماءً ، ابتسم وقرّر أن يستحم.. وقبل أن يخلع ملابسه أراد أن يتأكد أن لديه شامبو.. لم يجد.. فبحث عن صابونة.. وجد بقية صابونة "تُسمّى في عرفه صابونة ولكنها أرق من القشرة ويصعب الإمساك بها"..،،.
وقف تحت الدش عارياً إلاّ من الإحساس بالفرح الكاذب.. ورغم أن درجة الحرارة تجعل عظامه ترتجف من البرد ، إلا إنه فتح الماء البارد على رأسه وهو يغنّي: الميّة بتروي العطشان وبتطفّي نار الحرّان..،، لم يستعمل الصابونة رغم أنه أقنع نفسه بأنه استعملها.. وأقنع نفسه أكثر أن رغوتها كانت فائضة عن الحاجة..،،.
خرج من تحت الدش.. تذكّر أنه لا يمتلك منشفة أوبشكيراً.. قال لنفسه: الفانيلا القديمة تفي بالغرض.. ونشّف جسده المرتجف بها.. تذكّر أنه لم يُخرج الملابس البديلة عن الملابس التي خلعها قبل الاستحمام.. ذهب سريعاً إلى خزانته.. وهاله منظر الخزانة.. انها فارغة تماماً.. وتذكّر أنه لا يمتلك ملابس أُخرى.. وأن عليه أن يغسل الملابس التي خلعها وأن ينتظر حتى تنشف.. وهكذا فعل..،،.
لفّ نفسه بالبطانية.. وجلس ينتظر وهو يقنع نفسه أن الشمس ستقوم بمهمة التنشيف أسرع من كل مرّة ، وهو أصلاً أقنع نفسه أن الشمس موجودة ولم يُرد أن يلتفت أن الغيوم حجبت الشمس في هذا اليوم.. انتظر ساعتين ورغم أن الماء ينقّط من كل ملابسه المصلوبة على الشبّاك إلا أنه أقنع نفسه بأن الملابس ناشفة تماماً وأن البلل الموجود ما هو إلا "دلع ملابس".. وامتطى الملابس كمن يمتطي حصاناً لحظة السباق.. وذهب يجوب الشوارع ويوزع الابتسامات..،،.
بعد ثلاثة أيام قضاها في الفراش طريحاً يصارع المرض.. دخل عليه أحد الأصدقاء.. ولمّا ألح عليه بالذهاب للطبيب لتشخيص حالته.. استنكر ذلك بشدّة وقال: أنا أعرف مرضي تماماً.. شويّة صداع ، فقد كانت حفلة رأس السنة التي حضرتها صاخبة قليلاً.. بس راحت عليك يا صاحبي ، كانت حفلة تستحق كل هذا الصداع..،،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة كامل النصيرات جريدة الدستور