مرةً أُخرى : ها هو العمرُ يتقدّم ..ولكنّ الطفل الذي بداخلي لم يتقدّم ..ما زال يمدّد جثتي الكبيرة و يجلس فوقها ..ومرات كثيرة يقف فوقها و ينطنط مادّاً لسانه لي وكأنه يقول بهستيريا : إذهب أينما شئت و اكبر كيفما شئت : ما أنت إلا أبجديتي و ألعابي الأولى ..

ها أنا ..أمشي حافياً ألملمُ ( إسْلوك ) من كل الشوارع الفرعية .. و أعمل منها سيارة ..و عجلات السيارة : آخ على عجلات سيارتي ( أم إسْلوك )..،، كانت من ( غُطًيْ ـ مفردها غطاية ) الكازوز .. أي والله ..كنتُ ألملمها وألملمُ معها ( أربع كرارات خيطان ) ..وبطلوع الروح أُدبّر ( مغّيطة ) ..وأخزق غُطي الكازوز و ألظمها واحدةً واحدة بالمُغّيطة حتى تأخذ شكلاً دائرياً وأركّبها على الكُرّارة فتصبح عجلاً ناضجاً وجاهزاً لالتهام طرقاتي الطفولية ..،،

أتعلمون لماذا قلتُ لكم : كنتُ أمشي حافياً ..لأنها الحقيقة ..ولأنني طُعنتُ كثيراً في رجلي من مسمار مصدّي هنا أو عظمة جاج هناك ..وياما ( عمّلتْ ) و صار مكان الطعن كالدمّل المقرف لا ينفجر إلا بعد أن تضع لي أمّي قشرة بصلة و عجينة وقليلاً من مبشور الصابون و تضعها على النار ومن النار على الدّمل ..وضربات الألم لا تتوقف إلا بإحساسي أن (المًدّة ـ القيح ) قد خرج من رحم الدمل ..

وها قد كبرتُ ..وما زال الطفل أبو سيارة إسلوك يبحث عن سيارته تلك رغم أنه الآن يركب سيارة ( واااااو ) ..ورغم أنه يلبس حذاءً يقيه المسامير جميعاً ..ورغم أنه لم يشرب الكازوز منذ سنين ..ورغم أنه لم يرَ مغيطة بذات المواصفات منذ ( مغطوه ) ..ورغم أن الكرّارة لم تحفل به عندما رأها آخر مرّة ..،،

ورغم ذلك كله ..إلا إن الدمامل انتقلت إلى قلبه ..


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   كامل النصيرات   جريدة الدستور