يا الله.. إنه مشهد مُدهش للذي يعي حركة التاريخ.. جماهير حاشدة تُطالب برحيل "محمد الغنوشي" الوزير الأول في تونس.. وجماهير حاشدة أُخرى تطالب بعودة "راشد الغنوشي" زعيم حزب النهضة الاسلامي.. وتحت ضغط الجماهير ذاتها يُعلن محمد الغنوشي بأنه راحل عن السلطة بعد قليل ، ويعلن راشد الغنوشي إنه عائد بعد قليل.. وبعد قليل هذه هي لحظة الحقيقة وأن العين التي تُبصر في كل العالم يجب أن تتعظ وتعلن أن المشهد في النهاية هو مشهد يصنع دموع الفرح ويؤجّج في النفس لواعج وشجوناً.
ها هو الغنوشي الأول ، كان يمتلك كل طرقات تونس وكل أزقتها ، يجوبها مليئاً بالنشوة والحراسة ، يُعطي هذا ويمنع عن هذا.. يضحك في وجه هذا فتصبح ضحكته حكاية يؤرخ فيها المضحوك في وجهه ولكنه لم يفكر يوماً أن يُطأطئ ويُقبّل أرض تونس.. وها هو الغنوشي الثاني ، في كل منفاه.. يحمل أثقال الأرض غُربةً وحرماناً وتهديدات.. لا يملك من تونس إلا صوراً وذاكرة ، يجوب بين الدمع والألم ، ولكل دمعة حكاية تؤرّخ للتاريخ.. وبكل "آه" قصّة جغرافيا.. ويتوق للحظة القريبة التي سيقبّل فيها أرض تونس.
شتّان بين الصورتين.. وشتان بين المشهدين.. بل شتان بين الرجلين.. فالغنوشي الأول حاول أن يسرق تونس ومقاليد حكمها في لحظة هروب رئيسها.. والغنوشي الثاني سرقوا منه تونس وأخرجوه منها وأعطوه حكماً يمنعه من العودة.
لم يعد كثير من الوقت.. فالتونسيون ما زالوا في الشوارع.. ولن يعودوا إلى بيوتهم إلا بعد أن يغنّوا وبصوت واحد لا يعرف النشاز: غنوشي رايح.. غنوشي جاي؟ وبعدها فليقف العالم على قدم واحدة ويؤدّي التحية لتونس وشعب تونس.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة كامل النصيرات جريدة الدستور