فلقد استضعف المسلمون رغم كثرتهم، وحرموا من غالب حقوقهم حتى في بلادهم، ونالت الأقلية المسيحية من الحقوق والامتيازات ما عز على أمثالهم من المسلمين في أمريكا وأوربا. في الوقت الذي تسام فيه الأقليات المسلمة في كافة دول الغرب سوء العذاب وينكل بهم، تنعم الأقلية المسيحية -المحظوظة- بكل حقوقها القانونية وغير القانونية، في كل قطر من وطننا العربي وعالمنا الإسلامي. وهي مفارقة عجيبة، لا تفسير لها بغير استصحابنا لمنطق القوة، وسياسات الاستعلاء، ولولا الضعف الذي أمسك بتلالبيب هذه الأمة، واستولى على كل كياناتها، لما استضعف المسلمون في كل مكان، ولما سلبت أموالهم واستبيحت أعراضهم ودنست مقدساتهم. فلقد استضعف المسلمون رغم كثرتهم، وحرموا من غالب حقوقهم حتى في بلادهم، ونالت الأقلية المسيحية من الحقوق والامتيازات ما عز على أمثالهم من المسلمين في أمريكا وأوربا. وبالنظر لحادثة واحدة تعرف مدى المفارقة والازدواجية التي وقع فيها الغرب من أدعياء الديمقراطية والمساواة والحرية، ففي عام 2009م خرجت علينا الحكومة السويسرية ببدعة جديدة، وهي الاستفتاء لحظر المآذن في سويسرا بعد الهوج العنصري، والهرج الصليبي، الذي قامت على إثره الأحزاب اليمينية المتطرفة في سويسرا ولم تقعد حتى أجريت الاستفتاءات لهدم أربع مآذن فقط، وهي انتكاسه كبرى، وخرق لكل المواثيق الخاصة بحقوق الإنسان والحريات الدينية. أما الغريب في الأمر فهو موقف السفير السويسري لدى مصر "دومينيك فيرجلر" من قرار حظر إقامة المآذن الذي أعلنته حكومة بلاده، حيث أشار إلى أن هذا الاستفتاء لن يؤثر على العلاقات بين سويسرا والعالم الإسلامي، معتبرا ذلك من قبيل "الديمقراطية ". والسؤال هنا: هل كان موقف السفير السويسري سيتغير لو أُجْري هذا الاستفتاء في أي بلد إسلامي؛ لهدم أبراج الكنائس ومناراتها التي يتسابق النصارى في رفعها وتزيينها بالصلبان وترسنتها بالأجراس؟ ولو أجرى هذا الاستفتاء- حقا- لنال أغلبية ساحقة، فالنصارى في مصر على سبيل المثال لا يتعدون بأي حال من الأحوال نسبة 4%، وذلك بحسب ما ورد في تقرير أمريكي صادر عن مركز "بيو" أحد أعرق المراكز المتخصصة بواشنطن، حيث أشار التقرير إلى أن المسلمين يشكلون الآن حوالي 95% من سكان مصر البالغ تعدادهم 83 مليون نسمة، وأن نسبة الأقليات الدينية في مصر وعلى رأسها المسيحيين تشكل 5.4% أي ما يعادل 4.5 مليون نسمة. وأزمة المآذن هذه ما حدثت إلا لازدواجية في المعايير واستضعاف لجموع المسلمين واستخفاف بمشاعرهم ومقدساتهم، وقد علق الأستاذ جمال سلطان عقب هذا الحدث بقوله: "وهو استفتاء كوميدي في جوهره، ولو أن بلدا عربيا أو إسلاميا أجرى استفتاءا بين شعبه على قرار حظر بناء أبراج الكنائس لهاجت الدنيا وماجت سخرية من "التخلف" والظلامية والعنصرية والطائفية... إلى آخره، أما وقد فعلت ذلك سويسرا، البلد الأوربي الذي قدم على أنه رمز الحياد العالمي سياسيا واقتصاديا ودينيا، فهو "عادي"، وهذا ما عبر عنه السفير السويسري كما أشرنا سابقا. هذا هو حال الأقليات الإسلامية في الغرب، وهناك آلاف المواقف والقصص التي تظهر لنا كم العداء والعنصرية التي يتعامل بها الغربيون مع كل ما هو إسلامي، حتى أصبحت فزاعة الإسلام ورقة رابحة لأي مرشح ينوى الترشح لمنصب برلماني أو رئاسي، حيث أصبح العداء للإسلام مركز قوة وركيزة دعم لدي الناخبين الغربيين، وهذا ما يفعله الآن "ميلوش زيمان" رئيس الحكومة التشيكية الأسبق، لضمان أصوات الناخبين التشيك في الانتخابات القادمة، وفعلها من قبله"باراك أوباما" في الاستعداد للولاية الثانية، والهولندي المتطرف "جيرت فيلدرز" الذي هاجم الإسلام وأساء إليه وشوه حقائقه؛ لكي يضمن أصوات الناخبين، وفقا لما جاء بمقال سابق بهذا الموقع. وهذه الحدة لم تظهر على السطح لتصبح ظاهرة إلا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث استغلت وسائل الإعلام الغربية هذا الحدث وروجت له، حتى أصبحت كلمة "الإسلام" لدي المواطن الأمريكي، والغربي بصفة عامة، هي إحدى المرادفات لكلمة "الإرهاب". وهذا ما أشار إليه التقرير الصادر عن مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) في العام التالي لهذه الأحداث، حيث أكد على تزايد حالات التمييز ضد المسلمين، وارتفاعها بمعدل ثلاثة إضعاف عن العام الذي سبقه، كما أشار التقرير إلى وجود شعور متزايد في أوساط المسلمين الأميركيين بعدم دستورية العديد من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الأميركية منذ أحداث سبتمبر ضد بعض المسلمين الأميركيين ومؤسساتهم، لأنها كانت مبنية على التمييز العرقي والديني. وقد شمل التقرير 1516 شكوى من انتهاكات تعرضت لها حقوق المسلمين المدنية، وقد قدر التقرير عدد الشكاوى غير المرتبطة بأحداث سبتمبر بـ525 شكوى. وأما بالنسبة لأعداد المسلمين المتضررين من هذه الانتهاكات، فقد أحصى التقرير 2250 مسلماً تضرروا بصورة مباشرة من موجة الاعتداءات على المسلمين خلال العام الماضي، بينما قدر التقرير أعداد المسلمين المتضررين من أحداث سبتمبر بستين ألف مسلم، منهم حوالي 1200 - 1700 مسلم زج بهم في السجون الأمريكية، وما زال المئات منهم معتقلين حتى الآن. ولقد استفزتني مقالة بجريدة الوفد تحدث فيها كاتبها عن الأوضاع السيئة التي يعيشها المسلمون في أمريكا، حتى قام البعض منهم بتغيير أسمائهم الإسلامية إلى أسماء أمريكية بحته، للتعامل بيسر مع المجتمع الأمريكي، فأحد الأشخاص يدعى "خالد" يناديه أصدقاؤه باسم "هاري"، وشاب آخر اسمه "محمد مؤمن" غير كنيته "لمارك موم". وفي المقابل نرى الأقلية المسيحية في جميع الأقطار الإٍسلامية، تسعى وقد استنفذت جميع مطالبها ونالتها- إلى التضييق على الأغلبية المسلمة بشتى السبل، إما عن طريق النخب العلمانية والليبرالية الموالية لهم، أو بافتعال الحوادث، ونشر الأكاذيب والافتراءات. والأقلية المسيحية في مصر - التي تتناقص يوميا حسب شهادات رجال الكنسية- تسعى بكل ما أوتيت من قوة للسيطرة على مقاليد البلاد، والحدِّ من الصوت الإسلامي، عبر شعارات جوفاء مثل المواطنة والمساواة والحرية، وهم الطائفة المدللة، المالكة لما يقرب من ثلث ثروات مصر، والتي نتمنى لأية أقلية مسلمة أن تنال نصف ما تحظى به. ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقد تجرأ البعض منهم بالإساءة للإسلام، ومحاولة الطعن في رموزه ومقدساته، فلا تكاد تفتح قناة نصرانية، إلا وبها تزييف للإسلام واستهزاء بأهله وبرموزه ومقدساته، وزاد الأمر حتى وصل إلى شخص النبي - صلى الله عليه وسلم -. وحادثة ساويرس ليست عنا ببعيدة، فقد ظن الرجل من كثرة ما يجده من استضعاف من الجانب المسلم أن القوم أصبحوا موتى، لا يرون، ولا يسمعون، ولا يتكلمون، فوضع صورته الكرتونية ساخرا من شعيرتين من شعائر الإسلام (اللحية والنقاب)، وما دفعه لهذا إلا لثقته بثقل الأقلية وقوتها، وخور الأغلبية واستكانتها.

المراجع

islamselect.net/mat/93701"المختار الاسلامي

التصانيف

عقيدة