لم يكن هناك حاكم في عصرنا الحديث أكثر رهبةً من صدام حسين ..و أرجو من القراء التركيز على جُملة ( أكثر رهبة ) لأنها أُسّ الفكرة و المقال ..وحينما أتى الأمريكان و دموعنا على خدنا و وضعوا العلم الأمريكي على رأس تمثاله الكبير في بغداد ؛ لم تكن تلك نشوة النصر عند الأمريكي ؛ بل حركة موجهة إلى نفسية المواطن العربي المُدمرة أصلاً ..
وحينما تم إلقاء القبض عليه في الرواية المشهورة ..انكسر المواطن العربي ؛ ليس حبّاً في صدام ؛ بل لم يُرد لبطله الشعبي أن يكون هكذا ..لأن البطل الشعبي دائماً هو ( السوبر مان ) ..و اكتشف العرب أن صدّام حسين ( رجل عادي ) و ليس ( خارقاً ) للعادة ..ولكنهم لم يصرحوا بذلك و ابقوه مخزوناً في عقلهم الباطن لانهم احبّوا شخصية صدام ..
وجاء مسلسل محاكمة صدّام ..وكان الشعرة التي قصمت ليس ظهر البعير ؛ بل قصمت ظهر (رهبة الحاكم ) ..فالحاكم ليس البعبع الكبير ..ومع ذلك أخذت شعبية صدام في التعاظم ..لأنه قاتل في المحكمة برجولة يحبها العرب وفرض هيبته ..حتى جاءت لحظة الاعدام و الشهادة ..و التي ساقها الله إليه ليختم بها حياته و تحوله إلى إسطورة كشخص و ليس كحاكم ..لأن هيبة الحاكم ذهبت ..
لذا ..فإنني أرى خروج الشعوب على حكّامها في تونس و مصر و اليمن و ليبيا و سوريا ..ما هي إلا إخراج مُعطيات العقل الباطن إلى الظاهر ..و الوصول إلى قناعات أكيدة بأن هذا الحاكم أو ذاك ما هو إلا مواطن عادي يخاف و يرتعب و ليس صاحب رهبة ..لأن صاحب الرهبة الأكبر قضى نحبه و الشعوب تلهج له بالدعاء و الدموع ما زالت تتساقط على ذكراه ..
صدام حسين هو من أسس لسقوط الأنظمة ..لأن الأنظمة سكتت وهي ترى ( زميلها ) يُقاد مخفوراً .. إذن ؛ كل الحكاية أنها لعنة صدام حسين التي تطاردهم ..و اليوم سقط من سقط ؛ وسيسقط آخرون ..و الفرق أن صدام حسين هو الوحيد بين الحكام الذي ذهب و دموع الألم تودّعه ..بينما الآخرون ستودعهم دموع الفرح ..فهل سيتعظ حكام اليمن وليبيا وسوريا ..ويعجّلون في دموع فرحنا ..؟؟
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة كامل النصيرات جريدة الدستور