كنتُ أعتقد بأنني الوحيد من بين الكتاب الساخرين القرفان جداً من الكتابة هذه الأيام ..وإذ بي أقلّهم قرفاً ؛ فأحمد حسن الزعبي أنكد اللحظات لديه عندما يجلس قبالة الكمبيوتر ليكتب مقالته .. ويوسف غيشان نصحني وأحمد أن نتعامل مع المقالة كوظيفة للتخلص من هذا الشعور ..وأنه جرّب هذه الطريقة و شبه ارتاح ..

ما الذي يجعل نكشة الراس و التعاطي مع هموم الناس هذه الأيام ؛ صعبة ..؟؟ لماذا نحتار في توصيل فكرة صغيرة بشكل جاد أو ساخر رغم أن دماغ الواحد منّا سينفجر من شدة الأفكار ..؟؟ لماذا يقوم واحد مثل حالاتي بالسلام على الكمبيوتر ومعاملته بحنيّة ..و يفتح صفحة (الوورد ) ويمعطها بوسة في الهواء ويقول لها : يا زينج (زينك) يا حلوة يا بيضا ..؟ . ما الذي يجعلني أتحايل على نفسي و على رئيس التحرير ..فلا نفسي فشّت غلها ولا رئيس التحرير ( مرقت ) عليه حيلتي ..وكشفني من أول جملة ..؟؟.

نحن نعاني يا سادة ..معاناة المرأة الحامل التي يقول لها الجميع : لا تتعبي ..امشي شوي شوي ..لا تشيلي اشي ثقيل ..فنتدلع أحياناً وندخل حالة الوحام ..لكنه وحام المرأة الفقيرة ..فلا نطلب وقت دلعنا ووحامنا إلا مساحة بيضاء من الدقيق الأبيض لنعجنه و نضع عليه خميرة السخرية.. ليدخل بعدها فرن الإيميل ..فيصل إلى الجريدة رغيف خبزٍ ساخن يتقاسمه القراء وهم يضحكون أو يبكون أو يشتمون الخبّاز .. وخبزنا هو الوحيد الذي لا تصطف عليه طوابير للحجز مسبقاً ..بل نحن الكتاب الذي نصطف كل يوم على طابور الشعب ونرجوه بأن يتذوق رغيفنا لأنه الأسخن وقمحه غير مستورد من أمريكا ..

نعم ؛ نحن نعاني يومياً و نحبل يومياً ..ولا مكان للحمل الكاذب في أفكارنا ..لأننا من لقّحنا هو تفاصيلنا التي هي تفاصيلكم ؛ و آلامكم ليست كاذبة ؛لذا فحملنا ليس كاذباً كذلك ..

ولا أخشى على السخرية من هذه المعاناة ..بل هي أُسّها و مدادها و امتدادها ..بل إن كل ما أخشاه هو أن تصبح السخرية نفسها معاناة ..فنترك معاناتنا الحقيقية التي تحرمنا الخبز ..إلى معاناة الكتابة الساخرة التي تصنع الخبز ..ليس لكم ..بل لأولادنا فقط ..


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   كامل النصيرات   جريدة الدستور