آه على الأيام ..
| بعد أكثر من عشر سنوات يأتيني صوت ( عمرو) ..بعد كل هذا الزمن و هذا الفراق ..جاء موبايله و أنا راجع من السوق ..وبيديّ الاثنتين أكياس لإفطار رمضان ..وعرقي يملأ كل جسدي ويوزّع كميّات لا بأس بها على الأرض .. | | حاولتُ أن أتخلص من المكالمة سريعاً لأن حنين صوته يضايق الأكياس التي بيديّ و ها هي ( تتمزلط ) و لو ( سقطت ) مني لن تكون لي فضيحة بالشارع فقط ..بل أغلب الأغراض ستكون محكومة بالإعدام ..و أنا تائه بين صديقي القديم ( عمرو ) وشوقي إليه و بين ( حق الأغراض ) الذي لن يعوّض أبداً إذا سقطت الأكياس ..موقف ملعون والدين عن جد.. | | لذا ما صدقت و عمرو يطلب مني أن يراني بعد الافطار..وافقتُ بسرعة ولا أعلم للآن هل موافقتي السريعة كانت شوقاً إليه ..أم إنقاذاً لآخر لحظات ( المزلطة ) التي تتسارع في يديّ .. |
كانت مفاجأة ليلية بالفعل ..و آه مرة أخرى على الأيام ..ليس عمرو نوفل وحده من كان بانتظاري من شلّة عمان القديمة بل إبراهيم رجب الذي لم يتغيّر كثيراً سوى أنّ لحيّة سوداء أنيقة حطّت على وجهه ؛ لا أعلم إن كانت ( لوكاً ) أم ( التزاماً ) ؛ وكان هناك أيضاً موسى البرغوثي ..الذي تركته قبل أكثر من عشر سنين و كلّما سألتُ عنه قالوا لي : في مختبر الجامعة الأردنية و لا يخرج منه .. | | تركته محبوساً هناك ..و عندما رأيته بعد كل هذا الزمن ..تعاملتُ معه كأنه خارج من السجن ..شعره طويل ..و لسانٌ أطول ..وثرثرة جميلة لا تُمل ..ولكنه سرعان ما قال لي بأنه يعيش بشبكيّة في القلب.. | | وكأننا محكومون بالقلب دائماً صحة و مرضاً ..مازحته بقسوة : كل الشبكات في بلادنا ضاربة ..من شبكة الخلوي إلى شبكة المياه و انتهاء بشبكة المجاري ..ولن يتوقف الأمر عند شبكة قلبك يا صديقي .. | |
لديّ شعور بأن كلاماً كبيراً ضاع منّي ..لا يمكن أن أنقل ما كان يدور بداخلي حينها ..أنا مثلكم تماماً عندما تلتقون بأصحابكم بعد سنوات من الفراق غير المبرمج ..و اللقاء غير المبرمج أيضاً ..ولكننا التقينا أوّل مرّة و نحن ( عزّابية ) نراهق و اللهاث في حلوقنا فقط.. ونلتقي اليوم و نحن ( أرباب عائلات ) و اللهاث تمادى كثيراً حتى وصل إلى أحلامنا و كل تفاصيلنا المُتعَبة.. | |
والآن عرفتُ لماذا أنهيتُ مكالمة عمرو سريعاً ..ولم أسمح للأكياس بالاستمرار بالمزلطة ..لأن العمر كلّه ( مزلط ) منّا ..ولم يتبقَ من مزلطته إلا هذه الأكياس و التي إن سقطت بفعل المزلطة ؛ فسيسقط كل وقوفنا القسري و نمزلط حتى من ربيعنا العربي الذي جاءنا وقت خريف شبابنا .. | |
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة كامل النصيرات جريدة الدستور
login |