أكتب إليكم الآن الثلاثاء ..و المقال ستقرأونه غداً الأربعاء ..أكتب على عجل .. فأبو فريز الذي حدثتكم عنه ذات يوم ووعدتكم بالعودة للحديث عنه ؛ ممدد الآن في ثلاجة مستشفى الشونة الجنوبية ..و بعد قليل سنواريه التراب ..ولن يكون ( بعد قليل ) فوق التراب ..

شكّل ( أبو فريز/ ابن خال أبوي ) حالة فريدة لكل من عرفه ..فقد عاش غريباً و مات غريباً ..كل أقربائه في الضفة ..إلا إنه عاش هنا متنقلاً من بيت إلى بيت ..وحضوره إلى أي أحد كان يشكّل علامة فارقة في أي جلسه لما يتمتع به من كاريزما ( ساخرة و ساحرة ) ..تتلقف الناس أي كلمة له لتفرط من الضحك ..بل كانت الناس تبحث عنه و تتسابق عليه بالعزيمة ..

العزاء سيكون عند بيت أبوي ..لأنه عاش قسطاً وفيراً من حياته عندنا وكان محسوباً علينا أكثر من أي قرابة أخرى ..ولنا معه ذكريات وقصص لا يمكن أن تندثر و سنبقى نحكيها لولد الولد ..

في الأيام الأخيرة التي كان راقداً فيها بمستشفى البشير لم أزره إلا مرة واحدة ..وزرته فيها تحت إلحاح أخي الأكبر راتب ..قال لي : أبو فريز سأل عنك أكثر من مرة ..قلت له : لا أحب زيارة من سيموت ..أكره المشهد الأخير ..ولكنني زرته ..لم أشعر بفرحة بالزيارة لأنه كان يتألم فقط ..قال لي : لساني معقود يا خال ..قلت له مازحاً : من كثر ما سبّيت على الناس .. للمرة الأولى لم يضحك أبو فريز على كلمتي كعادته ..وللمرة الأولى لم يسبّ عليّ كعادته أيضاً .. وعرفتُ حينها أن جسد أبو فريز انتهى ..

كنّا نبحث عنه كلنا ..كي يسب علينا فقط .. وها هو الآن – يرحمه الله – لن يسبّ علينا بعد اليوم مسباته اللذيذة ..ولكننا – كلنا- نحفظ مخزوناً هائلاً من ألفاظه الحادة الجميلة نحونا..

أبو فريز ..ما عاد للحياة شهيّة ..وإنك اليوم مغصي الجديد .. رحمة الله عليك قبل الدفن وبعد الدفن ..


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   كامل النصيرات   جريدة الدستور