زمان ..نعم زمان ..كان للاعتقال هيبة و جلال .. كُنا عندما نُعتقل لا تقوم الدنيا بل تظلّ قاعدة ..يأتون إلينا ليلاً و يحوّطون البيت ..و يعبثون بكل محتوياته ..ويأخذوننا ( مكلبشين) و الشتائم و الكز و اللز لا تفارق هيبة العملية .. كان الجيران صباحاً يتهامسون في خبر الاعتقال همساً و يتلفتون عشرين مرّة وهم يذكروننا ..ولا يأتي إلى زيارتنا في السجن إلا الدائرة الضيّقة من العائلة أو الأصدقاء ..ومنهم من يتخلّى عنك منذ تلك اللحظة ..

زمان ..كان للاعتقال طعم و يصنع مبدعين و ذكريات ..بل كان الاعتقال دليلاً على ( إنك ماشي صح ) وان ما تقوم به و تتفوه به يصل إلى السلطات و يزعجها و يجعلها ( تنط فوق و تحت ) لذا يستقوون عليك بالاعتقال و السجن ..

زمان ..كان للاعتقال سجّان على باب سجنك إمّا ترسم معه علاقة دافئة و تصبحان صديقين بتفاصيل مبكية مُضحكة وإما أن تكره اللحظة التي تسمع فيها ( خرخشة ) المفاتيح لأنك قد تحب السجن و تكره السجان أبو الخرخشة ..

زمان ..كنتَ عندما تنهي سجنك و قبل أن تخرج ..لا ينتظرك الناس جميعاً ..بل حفنة قليلة و أغلب هذه الحفنة يقولون لك : خلص ..سيبك ..شوف حالك .. و بعد أن تنتهي مراسم التهنئة و التبريك ..كنتَ تخرج إلى الشارع ..لا أحد يتدافع ليُسلّم عليك ..بل كانوا يهربون منك في الشارع ..بل الذي ( تغصبه ) للسلام عليك بسرعة يُفلت يده منك و يقول لك : أمّي حامل ولازم أودّيها على المستشفى هسّا ..أو ..أستأذنك ؛ عمّتي إلها ست سنين ما خشّت بيتنا و هسا أجت علينا ولازم ألحق أعمللها غدا.. وكانت الأعذار تتوالى كي ينفكّوا منك ..

زمان كان الاعتقال ..له ما بعده ..كان الاعتقال يشكّل قيمة .. أمّا الآن فكلنا معتقلون بسجن ضيّق جداً اسمه ( أنا وبس ) و الغريب أن لا أحد يطالب بالافراج عنّا من هذا المُعتقل ..ولا حتى نحن أنفسنا راضون بأن نخرج ..

زمان كان الاعتقال له شروط و مواصفات لا تُمنح لأي أحد ..


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   كامل النصيرات   جريدة الدستور