منذ الميلاد وهم يقولون لي : عد للعشرة قبل ما تحكي الكلمة ..و اكتشفتُ بعد أربعين عاماً بأن الرقم عشرة ليس بعد الرقم تسعة ..بل هو ما بعد المليون بمراحل مليارية .. لأنني حتى بعد عدّ العشرة كنتُ أقول نفس الكلام الذي قبل الرقم واحد ..وكانوا يغضبون و يزمجرون و يهددون .. إذن كان المطلوب ليس العد نفسه ؛ بل ألا تتكلّم أبداً ..و كنتُ أنا أيضاً أريد مثلهم ألا أتكلم ولكنّ لساني أبى إلا أن ينقلب عليّ و ظلّ يشطّ و ينطّ و يخرج من فمي .

ولكنني الآن ..أكثر هدأة ..وأكثر رزانة ..وأكتشفتُ أن العد للعشرة له فوائد جمّة ؛ أهمها على الإطلاق انك وأنت تعد و تكرر العد ولا تتوقف فإنك تتثاءب و من ثمّ تنام ..وأنت تنام تحلم بالعد ..

الآن وقبل العد أريد أن أقول ( إن بعض المسؤولين فاسدون ) وركّزوا معي على كلمة ( بعض ) الواردة في الجملة ..سأعدّ الآن ..و عدّوا معي ..واحد ..اثنان ..ثلاثة ..أربعة ..خمسة ..ستة ..سبعة ..ثمانية ..تسعة ..عشرة ..الآن سأقول ما كنتُ أريد قوله : ( إن أغلب المسؤولين فاسدون ) ..ما الذي حدث بعد العدّ للعشرة ..

يا جماعة العدّ مضرّ بالصحة ..أي صحة المسؤولين ..و كلّ ما أخشاه أن أضطر للعدّ للخمسين مثلاً و بعدها تسقط من جُملتي كلمة ( بعض أو كلمة أغلب ) .. يا جماعة دعونا نتكلم من دون عدّ ..فهو الكلام التلقائي و به كما يقولون ( كلمة الحقّ تطلع ) ..

واحد اثنان ثلاثة ..الخ ..عشرة ...الوطن لم يعد إلى أرض الوطن بعد .


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   كامل النصيرات   جريدة الدستور