لا أعرف لماذا أريد الكتابة عن الأم الثكلى ..تلك التي يغادر ابنها إلى السوق مثلاً أو إلى المسجد أو إلى إيّ مشوار قصير بعد الظهر و أمّه تجهز له الطبخة التي يحبّها على مائدة إفطار رمضان ..

لا يبتعد كثيراً في دمشق أو حلب أو حمص أو درعا ..أو في كل سوريّا ..و قبيل الآذان بقليل ..يعود إليها ابنها ..لا يفتح الباب بيديه ..ولا يرن على الجرس .. ولا يناديها ولو للمرّة الأخيرة ( يمّي ) ..بل يحمله أصحابه على أكتافهم ..دموعهم هي كل الكلام ..و عبراتهم لا تستطيع إكمال جملة واحدة ..

هذا هو الإفطار الجماعي الذي يقيمه ( منشار بن أسيد ) للعائلات السورية ..كل يوم يفتح لهم عشرات بيوت العزاء ..كل يوم يجعل إفطارهم دموعاً و سحورهم لطماً و تمرهم في الفترتين رصاصاً أشد قسوة من نوى التمر ..

هو لا يفهم للآن : فليذهب الراعي و لتبقَ الرعيّة ..بل إنني أجد من يدافع عنه و يقول بشطط : خليه يذبحهم ؛ كل الشعب السوري خاين ..

يسكت الكلام ..بل يخرس ..إن كان إفطار شعب بأكمله أخبار موت ..وبدلاً من أن يدخل الولد على أبيه و أمه بكيس خبز ؛ يدخل عليهم بابتسامة الشهيد و دم يحنّي به كل جسده الغض..

بئس الراعي الذي لا يرعى في شعبه إلا دماً زائداً يجب أن يريقه بلا إنذار .. بئس الراعي الذي يتحوّل لديه قتل الآخرين إلى وجهة نظر .. و بئس الراعي الذي كلما ضحك ؛ سقط من شعبه مائة شهيد ..و كلّما نام لم يكن نومه عبادة ..

بئس الراعي يجلس عارياً وسط شعبه و هو يحدثهم عن الطهر و الحشمة ..


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   كامل النصيرات   جريدة الدستور