في بداية تسعينيات القرن الفائت و حينما كنتُ في أوج اندفاعي الايدلوجي و الأدبي ؛كنتُ أتضايق حد (الإسهال) من أؤلئك المتنطعين لكل شيء و يفقهون في كل شيء و يكسبون المعلومة دون تعب من أي أحد حتى دون التأكد منها .. رمى الله في طريقي رجلاً يكبرني بعشرة أعوام على الأقل و أنا لم أبلغ العشرين بعد ..ميزته أنه يدّعي الشعر ومعرفة اسراره ..ويدعي بطولات وطنيّة لم أسمع بها و لم يسمع بها غيري وأنا متأكد أنه هو أيضاً لم يسمع بها .. وكان يرهقني جداً بإسماعي شعراً رديئاً و مكسوراً و مسروقاً ومتصرَّفاً به بطريقة قميئة..

لا أنكر إنني أضمرتُ تأديبه بطريقتي ..فقلتُ له ذات جلسة ثنائية لا ثالث فيها : أتعلم أن هناك خطأ شائعاً في بيت شعر لأحمد شوقي و الذين يعرفون الصواب في بيت الشعر هذا لا يتجاوزون الخمسة فقط ؛ وأنا أحد الخمسة .. ولأنه استعراضي متنطّع ؛رجاني ألف مرّة و اشترى لي باكيت دخّان (ريم) ووافقتُ على تزويده ببيت الشعر بعد أن تعهد لي أن يصمد أمام من يضحك عليه أو يهاجمه بسبب القراءة الجديدة للبيت لأنهم لا يعلمون ..بيت الشعر هو :

وطني لو شغلتُ بالخلد عنه .. نازعتني إليه بالخلد نفسي

أقنعته بأن كلمة الخلد هي ( الخلند ) و أن كلمة نفسي هي ( نفاسيني ) فيصبح البيت كالتالي :

وطني لو شغلتُ بالخلند عنه ..نازعتني إليه بالخلند نفاسيني

طبعاً البيت لا يستقيم وزناً و المعنى ساقط من الأساس ..ولكن ؛لكم أن تتخيّلوا كيف دافع هذا المتنطع عن هذا الكنز الثمين الذي حصل عليه منّي باعتباره سراً من أسرار الأدب العربي الحديث ..ولكم أن تتخيلوا حجم ( البهادل ) التي تلقاها وهو يدافع ولم يتراجع عن جريمة أدبية واضحة ..ومع ذلك ظل مُصرّاً ..

ولكم أن تتخيلوا أيضاً كم من جرائم أخرى واضحة تحدث الآن بيننا و تمارس ضدنا : سياسة و اقتصاداً و يصرّ مرتكبوها أنهم يملكون أسرار الحقيقة فيها لأن من زوّدهم بها كان واحداً مثلي و من دون باكيت دخّان ريم ..


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   كامل النصيرات   جريدة الدستور