قريتي الكرامة تتغيّر ..أذكرها وهي بعض الدكاكين و أكم مطعم شعبي ..وكأي قرية أردنية ليس فيها من مقومات ( المدنية ) إلا شارعها الرئيسي الذي مات عليه دهساً عشرات الأحباء و فلذات الأكباد ..

كنّا نتقن الكزدرة في كل زقاق فيها ..تحفظنا الطرقات ..بل ينتظر صوتنا و نقاشنا العالي كل شبر فيها ..و كثيرون ينظرون إلينا باعتبارنا شيئاً مختلفاً يريدون أن يلتحقوا بركبنا و لا يستطيعون ..

اليوم ..آرمات محلاتها من النوع الفاخر ..وفيها ( سوبر ماركات ) وليس دكاكين ..وفيها مراكز تسوّق ( شوبنق ) ..وفيها عروض و تنزيلات ..و محلات تفتح ( 25 ساعة في ال 24 ) ..وفيها أفخر أنواع الثياب ..و الحلويات ..ومطاعم ( هش و نش ) بعد أن كانت ( كش ) ذبان ..

فيها تقريباً كل شيء ..ولا يقول لك أحدهم : استنى بجيبلك طلبك هاليومين لما أطلع على عمّان ..لأن غالبية ما في عمّان تم ترحيله إلى قريتي ..ولكن ..نعم ولكن ..

بعد ال ( ولكن ) هذه ألف غصّة ..: ولكن أين أصدقائي الذين كانوا يعيثون ضجيجاً في شوارعها و أزقتها ..؟؟ بل أين الكزدرة نفسها ..؟؟ كلّما أتيت لها في الفترة الأخيرة ؛ أطوف بشوارعها كالتائه الذي يبحث عن ( قشّة دليل ) ..أمشي في نفس الأماكن التي تعرفني ..عرفتها و لم أجد من يعرفني ..

غريب أنا ؛ وسط تفاصيلي ..ورغم كل هذه ( المدنية ) التي رحّلوها إلى قريتي ..وأنها فاتحة ( 25 ساعة في ال 24 ) إلا إنني أنظر لوجوه الناس فيها من صغيرها لكبيرها : متعبون متعبون ..أما لماذا ..؟ فلأن كل ( مدنية ) العالم لا تصنع سعادة لشخص واحد ما زال يلهث وراء لقمة الخبز و مصروف الأولاد ..

أعيدوا لي طفولتي و كزدرتي ..وخذوا مدنيتكم و أغلقوا قريتي مساءً كي تنام هادئة ..


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   كامل النصيرات   جريدة الدستور