يذهب شاب حديث التخرج من كلية الهندسة لمقابلة عمل مرتديا بدلة وربطة عنق علما انه خريج هندسة مدنية ويتطلب عمله ارتداء ملابس اقرب الى المتانة منها الى الرفاه ، وعندما تسأله عن سر ذلك يقول برستيج ضروري للعمل.
عندما يتحدث صحافي او صحافية عن صعوبات العمل وخاصة ممن لا يملكون وسيلة نقل خاصة اول ما يشكو من ارتفاع اجور التكسي الاصفر والمميز وصعوبة وجوده رغم ان عمان تبدو من الطائرة صفراء لكثرة السيارات ذات اللون الاصفر ، وعندما تطالبه بركوب حافلة "باص" يتحدث عن انعدام الوقت وضياعه واخيرا يتحدث عن برستيجه كصحفي ، فكيف يركب باص؟.
تنفق المرأة العاملة اكثر من نصف راتبها على الملابس والاكسسوارات والعطور والمكياج وتقبل ان تحرم نفسها من وجبة طعام في العمل لان برستيجها لا يسمح لها بأن ترتدي ملابس متوسطة رغم ان معظم الملابس التي نرتديها وترتديها النساء لا تلائم بيئة العمل.
يبدا المسؤول اول عمله باستدانة مبلغ ضخم من احد البنوك حتى يتلاءم مع الموقع الجديد بحجة ان برستيجه تغير وعليه ان يواكب العصر والمستويات التي يلتقيها في عمله ، ولا اجازف ان قلت ان ذلك الدين الاول يوصل الى خدش النزاهة الوظيفية نظرا لكثرة المتطلبات بعد ذلك مما يمكّن الاخرين من الولوج اليه من بوابة البرستيج ، ذلك الوحش الذي يفرض علينا ايقاعه ويطالبنا مثل النيل قديما بان نلقي اليه اجمل ما لدينا ، طيبتنا وبساطتنا وانسجامنا مع ذاتنا.
اول شيء نفعله بعد تخرج ابنائنا من الجامعة والان من الثانوية شراء سيارات لهم لان برستيج "الولد" يخدش بين اقرانه اذا ذهب الى الجامعة بدون سيارة الامر الذي نقل جامعاتنا الى كراجات مفتوحة وفاترينات عرض ملابس وضاع الاكاديمي وسط زحمة السيارات والملابس - نسيت الجل الذي يسيل في جامعاتنا دون حساب - .
اول قرار نتخذه بعد زيادة الراتب كأسرة تغيير طقم الصالون او غرفة السفرة او السيارة فتذهب الزيادة ونحمّل انفسنا دينا زائدا عن قدرتنا ونعود لنقول الراتب ليس فيه بركة والزيادة غير كافية ونحن نعلم اصلا تدني الاجور.
تفاصيل كثيرة تثير الغضب والقهر معا تصيبنا ونحن ننظر الى السلوك الاجتماعي الذي نتحرك الان في فضائه ، نرزخ تحت قهر الدين والاقساط المتراكمة ونلعن اللحظة التي ولدنا فيها لازدحام اجندات الدفع المؤجل.
تنفق الحكومة ملايين الدنانير على المهرجانات والسفرات والدعوات بحجة البرستيج.
تخيلوا ان الامر وصل الى الاموات فحتى النعي في الصحف طالته لعنة البرستيج وباتت المساحة التي ننعي فيها دليلا مشتركا على برستيج الاحياء والاموات معا ، وكأن الميت ينتظر رؤية حجم اعلان نعيه او تنعكس رحابة الاعلان على رحابة القبر.
على صاحبة الولاية العامة اي الحكومة ان تبدأ في ترشيد انفاقها وعدم البذخ في السيارات والولائم والمكاتب ومن ثم نبدأ في شدشدة انظمتنا القيمية حتى نصل الى مرحلة نحترم فيه انفاقنا ونحترم فيه قيمنا ونلعن فيها هذا المدعو" برستيج".
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عمر كلاب جريدة الدستور