مريحة التقنية حد البلادة ، وناعمة حد مقاربة ورقة النعنع ، وقادرة على تلبية احتياجاتك مثل جنّي الفوانيس ، فخلال دقائق تكون قد مارست طقس المعايدة على مئات البشر الرابضين على جنباتهم او قياما او قعودا ، يستقبل معايدتك دون ضجر او تبرم ، ودون كلفة ، يتابع مسرحية العيد المكرورة على التلفزيون حد الحفظ او الضحك المسبق على اللقطة القادمة ، يتمطط المستقبل على جاعده الحديث "الكنباية" وكذلك المرسل ويتبادلون التهاني والتبريكات ويتراشقون بالاف الجمل العذبة دون ان يلقي - بضم الياء - احدهم القبض على الاخر وهو يشير بحركة معيبة او يراه وهو يدلق لسانه له او يسمع شتيمة بعد المعايدة المضجرة.
نحن شعب حداثي بامتياز ، وديجتاليون اكثر مما نعتقد بل سبقنا الديجاتليون انفسهم ، فنحن شعب يبلغ تعدادنا ستة ملايين ضجر ونيف ومع ذلك تراشقنا بستين مليون رسالة معايدة كان ثمنها كفيلا بحل مشكلة الفقر في احدى المحافظات.
مارسنا خلال العيد كل مفردات وطقوس التنبلة ، بعد ان انهينا كل واجبات العيد في دقائق ، اتوقع لاحقا ان يتم تعييد الارحام من خلال تحويل رصيد اضافي للشقيقة او العمة والخالة بعد ان يقضي الجيل القديم ويصبح جيل الخلوي هو الجيل السائد ، فلا داعي لهذه الزيارة الواجبة لايصال العيدية ، يقوم الاخ او الاب بتحويل قيمة العيدية على شكل رصيد اضافي لرحمه وتنتهي الحكاية برمتها ، ويصبح العيد من منازلهم.
الخاسر الاكبر في العيد كان البريد ، فهو لم يحمل بطاقات المعايدة الى صناديقه ، بعد ان استطاعت الحداثة عبر سحر "دوت كوم" و"دوت نت" حمل بطاقات المعايدة في غمضة عين ، ودون نشفان الريق في لصق الطوابع ، مجرد "كليك" فقط وتسير البطاقات الى اهدافها بيسر وسهولة ودون امكانية لعدم الوصول ، وتصل الى المستقبل زاهية ومضاءة وتتراقص احيانا بكل بهجة قبل ان يكتمل نموها شكلا ومضمونا على شاشة الكمبيوتر.
لم تغلي زوجاتنا القهوة السادة بنفس القدر والكمية كما السابق ، لم نحضر كميات من المعمول والكعك ولم تتكلف جيوبنا قيمة شيكولاته فائضة عن حاجة المنزل الذي لن يتعرض لسيول من المهنئين بالعيد ، فالقادمون على نعال من اثير مارسو طقوس العيد وغادروا الى سباتهم ، فالاثير امتلأ بالدعاء الطيب ومنصات النصر للعيد القادم كانت في كل حارة وحي ، وكان الاثير متحمسا وهائجا ببركات الادعية والامنيات التي عبرت خيوطه الذهبية ، لدرجة ان الاقمار الصناعية في اسرائيل وامريكا رفعت درجة استعدادها للخط الاحمر.
تهانْ وامنيات بالملايين عبرت سماء الوطن وبركات فائضة عن حاجة الجميع جرى توزيعها بكرم زائد ، لكنها باردة مثل ثلاجة موتى ، ومؤذية مثل شعرة في صحن الشوربة وقاسية مثل ملح على الجرح ، ثم نسأل لماذا كل هذا العنف وغياب الرحمة بيننا ولماذا ترتفع حصيلة القتلى لأتفه الاسباب ، الجواب في حجم الجفاف في علاقاتنا وانعدام التواصل الا عبر الاثير.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عمر كلاب جريدة الدستور