سيكون اليوم احتفاليا بكل المعاني ، سينشد الطلاب صباحا ، وتحتفل الاذاعة المدرسية لفترة قصيرة بيوم المعلم ، وسيزجي طالب متفوق كل الصفات الجليلة ، من شمعة تحترق الى حاضنة العبقرية ومنتجها الى اخر عبارات المدح والاطراء اللازمة في دقائق سريعة قبل ان تعود الساعة الى رتابتها ويعود المعلم الى منزله واسرته محاطا بحرقة الحياة وغياب التأثير.

منذ ان تراجع ترتيب التربية فعلا رغم تقديمه اسما ، والحالة التربوية تتراجع والمستوى الاكاديمي ايضا في تراجع فالربط بين التربية والتعليم ربطا جدليا لا يمكن لاحدهما ان يتقدم بدون الاخر ، والمعلم هو حجر الاساس في العملية التربوية وقد تراجع دور المعلم في السياق التربوي تراجعا لافتا ، فالقيمة الاجتماعية للمعلم لم تعد كما كانت ابان كان اسمه "الاستاذ" وكان مروره في الحي يعني خلو الشوارع من الطلاب على اختلاف اعمارهم.

التربية انذاك كانت مرتفعة القيمة ويكفي ان يلوح احد الوالدين بأنه سيمر على المدرسة لكي تكون تلك الليلة مليئة بالسهر ومراجعة الذات ، فالجمل معروفة سلفا "الكو اللحم والنا العظم" او "منا اللحمة ومنكو السكين" ويكون ذلك اليوم اسود من قرن الخروب.

كانت ايامها العملية التربوية بعافية وكان الاردن مصدر الهام للجوار وليس للداخل فقط وانداح المعلمون في اصقاع الارض ينثرون العلم في الخليج والمغرب ودفعت بعض البلدان ثمنا باهظا حين استغنت عن المعلم الاردني قبل ان تعود الى التعاقد معه لتصويب الخلل التربوي الذي حصل.

وضع المعلم على كل المستويات بحاجة الى تقدير جديد ماليا واجتماعيا فلا يعقل ان يتم توقيف المعلم اذا مارس عملية الضرب على الطالب في حين لا يوجد من يحمي المعلم من اعتداء الطالب ، وغير معقول ان تبقى احوال المعلم المعيشية متردية لدرجة اصبحت وظيفة طاردة بدليل حجم الاستنكافات الهائلة سنويا من قبل طالبي الوظائف.

نعلم ان الرؤية الملكية للمعلم تحمل كل الخير وثمة مبادرات ابداعية للملكة في هذا المجال ، لكن الاستجابة الرسمية من الوزارة ما زالت قاصرة عن الرؤى الملكية وطموحات الملكة في نقل المعلم نقلة نوعية.

المعلم في يومه او عيده لا يريد دقائق على الاذاعة المدرسية بل يريد اعادة تصويب المعارف الجديدة التي تسللت الى وعي الطالب ووعي الاهل والتي تقول ان المعلم اصبح يؤدي خدمة يتقاضى مقابلها اجرا بعد ان ساهمت بعض المدارس الخاصة في ذلك وتحول الطالب الى زبون دائما على حق ، وصار المعلم يتقاضى اجره على الخدمة ، نتيجة ضياع او تضييع مفهوم التربية عن التعليم كما كان جوهر الفكرة اصلا واساس التسمية.

في الالفية الثالثة ، التي ينحاز الكون فيها الى التعلم والتعليم والتعاليم علينا ان نعيد الاعتبار لدور المعلم التربوي ونعيد الاعتبار الى المدرسة الحاضنة والجديرة بالانتماء ، والا فإن الوضع سيزداد رتابة بليدة ويوم مكرور في السنة اسمه يوم المعلم ونخسر جيلا تلو جيل.

رحم الله شوقي حين قال:

قم للمعلم وفّه التبجيلا

كاد المعلم ان يكون رسولا

فقد انقلبت الآية ويكاد أن يقوم الطالب على المعلم وليس له ، وحتى لا يصير المعلم قتيلا.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عمر كلاب   جريدة الدستور