لو ان فيروز كانت تعرف ان الاسماء ستغدو مزادا علنيا او تخضع لمنطق البورصة لما غنّت اغنيتها الجميلة "اسامينا شو تعبو اهلينا تا لاقوها" ، فرحلة البحث عن اسماء الابناء رحلة مضنية ، فنحن بحكم العادة نحافظ على اسم اول الابناء ، وهذه ميّزة للشقيق الاكبر ، الذي بالعادة ما يذهب في اسم ابنه الاول الى اسم الاب ، على عكس من كان ثانيا او اسم الابن الثاني.
رحلة تتطلب لياقة عالية ومفاوضات مضنية اكثر من المفاوضات مع الكيان الصهيوني ، تبدأ مع الزوجة التي بالعادة وبحكم ثقافة الافلام والمسلسلات المصرية تريد بنتا ، على عكس الزوج الذي يريده ابنا يحمل اسمه ، وتصعب المفاوضات اكثر اذا كان الزوج قد اغدق في منح الوعود والتعهدات اثناء فترة الخطبة ، وصرف كلاما على غرار "بنت زي القمر مثل امها" ، ليكتشف انه الوحيد الذي رأى شبها بين الام والقمر في فترة الخطوبة حصرا.
تبدأ الرحلة من اول الحمل وتنتهي مع شهادة الميلاد ، ويا له ان غامر وكان اسم الابن على اسم والد الزوجة ، فحينها سيكون مضغة لاهله ولأمه تحديدا ، والاخطر اذا ما كبر الابن واكتشف ان اسمه لا يناسبه ، او ان شركاء الطفولة والشباب قد اعتبروا اسمه خارجا عن المألوف المجتمعي او لا يحمل صفة حامله ، كأن يكون اسمه جميل مثلا او وسيم والباقي عندكم.
لذا لجأت العرب عادة الى الصفات ، والتي عادة ما تحمل عكس مضمونها ، فالاعشى كان ابو بصير ، ومن يبتلى بأطفال غائبي الذهن كان يطلق عليه ابو عقل.
الان تطورت الصفات وصارت القابا تسعى الاسماء الى ان تكون قبلها ، معالي ، عطوفة ، والحلم يستمر الى ما هو اكثر ، واحتلال الالقاب دور ووظيفة الصفات ، شكّل تغيّرا في الثقافات ، فصار الاسم بلا قيمة في بعض المواسم اذا لم يسبقه لقب ، وصارت الحمى ان يسبق الاسم لقب ، فتحولت الاسماء الى بورصة والمحظوظ من يشتري الظرف اسهم اسمه.
بورصة الاسماء شغلت الشارع ، لم تهدأ تلفونات من يملكون مصادر ، ومن اشخاص يتصلون لأجل المعرفة فقط او بدافع الفضول ، وتطوع كثيرون لنثر اسماء على الفضاء كي تدخل البورصة ، بل ومنحوا تلك الاسماء شهادات حسن اداء وسلوك او سحبوا منها تلك الشهادات ، المهم ان اسامينا لم تعد ملكا لنا بل صارت في زمن العولمة مشاعا لمن يملك انترنت.
وبتنا نسحب اسامينا من معانيها ولا نقّدر جهد الاهل المضني وفخرهم في اختيار الاسم ووضعناه تحت عجلات المنصب طوعا او كراهية ، وصارت علامتنا الفارقة هي قدرة الاسم ومقدرته على اجتذاب اللقب.
ثمة اسماء بعينها ، تعبت وناضلت كي تبقى لها نكهتها الخاصة ، وثمة اسماء جعلت من اسمها لقبا ، ولا اظن ان احدا لا يحلم باليوم الذي يصبح فيه اسمه لقبا.
الاسماء جهد ضائع الان بعد ان اقتربت ساعة الحقيقة وباتت باقي الاسماء مجرد حروف سوداء او ملونة على ورق صحيفة او فضاء الكتروني وبقيت معها الفجيعة ان الاسماء لم تعد عنوانا يستّدل به بل جزء منقوص بحاجة الى لقب لكي تكمله.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عمر كلاب جريدة الدستور