سجل ناشط فرنسي ملاحظتين تختصران المشهد الاسرائيلي وحراكه المجتمعي ككيان معزول ، خارج عن سياق العقل والمنطق ، فهو يقول"استرعى انتباهي ان الاسرائيليين يمشون بسرعة وكأنهم ذاهبون لمهمة ، ولا يعرفون المشي البطيء او الهوينى في المشي لاستكشاف المكان واقامة علاقة مع الارض ، وكذلك الجميع ينظر حواليه وكأنه لص يخفي سرقته او مجرم
يشعر بالمطاردة او المراقبة ، لا احد حسب قوله يطلق لعينيه العنان في مغازلة الكون والطبيعة".
الرجل يستكمل تحليله ، بأن سلوكهم يكشف احتلالهم وانتم يقصد العرب بحاجة الى من يدرس وينشر تلك الايحاءات ويخاطب العقل الغربي بطريقة مغايرة ومصاحبة للقانون الدولي وقرارت السلام التي لا تكفّون عن الحديث عن ضرورة الالتزام الاسرائيلي بها .
قصة الايحاء او الانطباع المتكون عند زائر الاراضي الفلسطينية بحاجة الى اضاءة فقط ، فقد يلتبس على متلقي او مشاهد ، سرعة المشي لغاية الانجاز او سرعته لأن الارض لا تطيق ان يمشي عليها من يغتصبها ليل نهار او من هو طارئ عليها وتكون لاقدامه فعل السكاكين في الجسد ، وفلسطين جسد طري رغم صلابة جدرانه ، فحفريات الاقصى يمكن ان تخلخل اي بنيان حديث ، لكن الاقصى ليس بناءَ رخوا وليس اسمنتيا فقط فهو بناء ديني وجداني مترسخ في وجدان أمة تشهد حالة ضعف نعم ، لكنها امة لها جذرها الذي يمنح مغتصبها سمتها والعكس ليس صحيحا .
ليلة امس كانت القيامة تشاطر الاقصى جرحه النازف فأجراس القيامة اطلقت جرس تحذير بنغمة حزن ، فما من امة تداخل الهلال فيها مع الصليب كما أمة العرب فجذر العروبة ما زال مغذيا لشرايين الابناء .
تقرع اجراس القيامة في عيد الفصح المجيد الذي يأتي والقدس في احلك لياليها ، فالغاصب لن يقبل ان يمشي على التاريخ فهو هبة التاريخ الذي يكتبه المنتصر وليس وليد الجغرافيا التي هي وليدة نفسها ، بعد ان تلقى دعما خاصا من التاريخ دون ان ينجح في قطف ولو زهرة من الجغرافيا التي هي أثر التاريخ على الطبيعة .
تمر القدس - بهلالها وصليبها - بلحظة حرجة ، لكنها لن تمر وفق اهواء الغاصبين فحيثما تتلفت في القدس ترى العرب حتى وان كانت البرانيط تطغى على سماء المدينة ، فالبرانيط تاريخ متغير والعرب جغرافيا في المدينة المقدسة .
ما يحدث يدفع الى الاحباط وما يحدث يدفع الى انتظار مرثية جديدة هكذا غلاف الاحداث يشير ، وجوهر القضية مختلف ، القدس ليست شرنقة رخوة وليست عابرة سبيل في سماء المدن فهي زهرة مدائن الارض ، وجوهر تاريخها وحاضنة قداسة وملهمة خيالات .
يمشون مسرعين كما يقول الفرنسي ، الى خارج القدس ، فلحظة الحلم القومي ليست كبسولة لتسكين الألم وسط رياح الاحباط التي تهب على الأمة منذ سنين ، وليست حالة تنّدر لمن يسمّون انفسهم تيار العقلانيين الذين يرون في الأمة بئرا جافة فهذه الأمة لو جهنم صبت على رأسها... واقفة.
نمشي في القدس تحت حراب الاحتلال ولدينا متسع للتأمل وتكحيل العين واقامة الصلاة بكل خشوع فهذه الارض تعرف وقع خطواتنا وتبسط سطحها وقلبها لنا ، فنحن نريد خطابا نستعيد فيه انتاج خطاب الوحدة وخطاب الأمة وخطاب يبعث الأمل في اجيال تنام على حلم القدس وتصحو على نفس الحلم وتعمل لأجله ، القضية قضية خطاب جامع وخطاب يحيي الأمل رغم قسوة الظرف .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عمر كلاب جريدة الدستور