لا ننتمي في جذرنا الى قبيلة عذرة المشهورة بضحايا الحب ، حتى نقدم سنويا كل هذه الضحايا على مذبح الحب ، فقد اعلنت احصائية نشرت مؤخرا ان معظم حوادث الانتحار سببها الحب او الفشل في العلاقة العاطفية ، وباقي الحوادث لها اسباب اقتصادية.

بالمقابل ، ثمة مفارقة اخرى تناقض مشهد انتحاريي الحب الجدد ، هن ضحايا جرائم الشرف ، فالحب المفضي الى الانتحار هو عذري بحكم التكوين ورومانسي كما في روايات الحب التاريخية واشعار الضحايا الكثر في الموروث العربي ، فكيف يستقيم هذا التشابك بين عذرية الحب وغرائزية الجسد طالما ان طرفي المعادلة في ارتفاع ، فإذا سلّمنا بان الحب العذري يؤدي الى الانتحار فطرف المعادلة الاخر يجب ان ينقص لا ان يرتفع بوصفه نقيضا للاول فهذه المعادلة لا تستقيم حسابيا.

ما يجري الان يتطلب ان نسمع صوت المجلس الاجتماعي الاقتصادي بضرورة عقد مؤتمر وطني لمناقشة الغضب العارم الذي يجتاح قرانا وشوارعنا واذا ما اخذنا بعين الاعتبار اثر ارتفاع الحرارة في الموسم الحالي ومقدم رمضان في آب اللهّاب فهذا يعني اننا بحاجة الى خطة طوارئ لوقف النزيف المرتقب.

لا نبالغ في تقدير حجم المقبل وانه على ارتفاع بكل المقاييس وفقا لمنطق الاحداث وتداعيات الظروف الاقتصادية الحالية واثارها على الحياة العامة ، فنحن مقبلون على ظروف صعبة كما تشير تصريحات وزير المالية وكل ذلك سينعكس على المواطن ومنسوب غضبه تحت الحرارة الحياتية والحرارة المناخية.

ضحايا الحب والاقتصاد يثيرون قلق المجتمع ويثيرون قلق الحريصين على مستقبل هذا المجتمع الذي تطغى عليه ظروف وتداعيات تتطلب وقفة مجتمعية صادقة ، فلا يمكن ان توفر مديرية الامن العام شرطيا لكل مواطن وعاشق ، ولا يمكن وفق مشهد كاريكاتوري ان نضع عمارات الانتحار تحت رقابة امنية بعد حصرها او اعتبار اللانيت مواد متفجرة ونخضعه لقوانين مكافحة الارهاب بوصفه المادة الاكثر طلبا لطالبي الانتحار.

ما نريده هو حراك اكاديمي ومجتمعي وبرامج توعية وخطط لحصر الفقر ومكافحته بمعزل عن اللقاءات التاريخية في فنادق الخمس نجوم وقاعات السجاد الوثير.

نريد حراكا مجتمعيا على ارض الواقع بعد تحليل اماكن الانتحار وغالبيتها من مناطق الفقر وجيوبه ونريد حراكا مدنيا للامن العام وللمجلس الاقتصادي الاجتماعي ونريد اعلاما وخاصة التلفاز واذاعات البث المباشر كي نسمع لجيل تركناه طويلا على قارعة الحياة دون امل وهدف ودون تربية وطنية حقيقية واجتماعية ومن ثم نقدم لهم الحلول او نكتفي باضعف الايمان وهو تفريغ الشحنة السلبية من خلال الحديث والاستماع لهم.

ما يحدث مريع والقادم اكثر خطورة طالما ان الصمت سيد الموقف والاخطر تقليل حجم المشكلة وتصديق ما تجود علينا به ألسنة الناطقين الرسميين والتي غالبا ما تعود لتعيد ما قالته بطريقة مختلفة او متناقضة.

خطورة ما يجري انه يطال جيل الامل وجيل المستقبل ، كما اوسعناهم كلاما معسولا لكنه في مجمله لا يكفي لتحلية كاسة شاي من الذي يشربونه على مائدة افطارهم التي تضيق سعتها وتقل حجم صحونها يوما بعد يوم.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عمر كلاب   جريدة الدستور