في تلك الأيام " لا تسألوني عنها وعن زمنها " كان كل شيء ممنوع حتى الكلام والنقد ماعدا مديح السلطة حتى أصغر موظف فيها ولو كان حارس في البرية لايعرف ماذا يحرس .
في تلك الأيام وعندما تريد السلطة أن تحتج على دولة ما .. لسبب من الأسباب تقوم بالإعلان عن مظاهرة احتجاجية .. يراها الموظفين فرصة مناسبة للتعطيل عن العمل فيتجمع موظفوا كل دائرة أمام دائرتهم حاملين الأعلام واللافتات المنددة وكذلك نقابات العمال والجمعيات الفلاحية وحتى مخاتير الأحياء والقرى الذين يجلبون معهم أهالي القرى بالباصات التي ترسلها البلدية لجلبهم مجانا ً فيرونها فرصة لقضاء حاجاتهم وتأمين مشترياتهم من المدينة ..وهكذا تحتشد الجماهير الغفيرة التي تتباهى السلطة بهم على أنهم يمثلون التأييد الشعبي الشامل لوجهة نظرها وصحة مواقفها .
المهم أيها الأعزاء .. يبدأ الجميع بالتقاطر إلى أكبر ساحة حيث يستعد كبار المسؤولين في المدينة وقيادات الأحزاب المشاركة في السلطة وبعض الشعراء ممن أتقنوا تدبيج قصائد المديح للسلطة والقيادات الحكيمة والهجاء لأعداء الأمة والوطن والخونة العملاء من الأنظمة الأخرى التي لاتقل عنها حكمة في بلدها وربما فاقتها في الإيمان وامتلاك مفاتيح الجنة والنار .
يبدأون بالاستعداد لإلقاء الخطب الرنانة التي تهيج مشاعر الجماهير الغفيرة التي خرجت تلقائيا ً لتدافع عن قيادتها الغالية وفقها الله والهمها المزيد من الحكمة وبعد النظر والشجاعة والقوة ...الخ . ويستعد معهم مصوري الصحف والتلفزيون لنقل المظاهرات اللاهبة الملتهبة التي لو تركوها تنفلت من عقالها لحطمت الحدود وحررت الأمة وأسقطت الأنظمة العميلة وطردت الإستعمار وأذنابه وعملائه ووحدت الوطن من الماء إلى الماء ولوقفت عند شواطيء بحر الظلمات تقول كما قال قبلها عبد الرحمن الغافقي والله لولا هذا البحر لمضيت مجاهدا ً في سبيل الله . ولكن وجود هذا البحر كان لحكمة لايعلمها إلا الله . . وإلا لسقطت أوربا وأمريكا واستراليا في أيدينا .
المهم تجمعت المسيرات في الساحة الكبيرة وكل منها ترفع لافتة في المقدمة تدل عليها .. " جماهير النقابات العمالية الكادحة " جماهير الجمعيات الفلاحية " موظفوا المالية "البلدية " الشؤون الاجتماعية " العقارية " نقابة المحامون " الأطباء " المهندسون " المعلمون " اتحاد الطلاب " جماهير قرية الشرقية " الغربية " الشمالية " الجنوبية " الفوقا " التحتا " ...الخ
كانت أكبر خطبة لا تتجاوز العشرين كلمة لكنها تستمر لأكثر من ربع ساعة بسبب مقاطعة الهتافين .. " يعيش " يسقط " سنحاربهم " سنوحد " سنحرر " فلايكاد الخطيب يقول أيها الأخوة يا جماهيرنا المناضلة حتى يبدأ الهتافين بالمقاطعة .
ثمة مجموعة من المثقفين تنتحي جانبا ً في ظل شجرة تراقب هذا الجمع وقد بدأ حس النكتة يسيطر عليهم .. قال أحدهم .. هؤلاء ويقصد الجمع الجماهيري لايعرفون لماذا هم هنا ..؟ رد عليه الآخر .. اتقي الله يارجل .. ألا ترى بينهم رؤساء دوائر وأساتذة ومهندسون وأطباء ..فهل ما تقوله معقول .. ؟
| رد عليه الأول أتراهنني على ما أقول من أن لاأحد يعي ما يحدث ومعهم ممثلوا الأحزاب ..؟
- أراهنك .
.. ماهو الرهان .؟
- ما تشاء
.. طيب .. عشاء في المقصف لنا نحن الخمسة على حساب الخاسر .. ولكن من ينظم لي ومن يعترض لأنه من غير المقبول أن يدفع الحساب شخص واحد . ؟
- انقسمت المجموعة ..واحد الى جانب الأول واثنان الى جانب من اعترض .
قال صاحب الفكرة .. راقبوني وانتبهوا إلي جيدا ً .. ثم اندس بين الصفوف حتى وصل قرب شلة الهتافين .. كان خلالها أحد ممثلي الأحزاب يلقي كلمته .. وفجأة صرخ صاحبنا .. فليسقط واحد من فوق .. رد الجميع خلفه دون تفكير .. فليسقط واحد من فوق .. كررها ثلاث مرات دون أن يعي أحد ما يقول وما يسمع . وضاعت الجملة بعد أن تولى بقية الهتافين متابعة ترديد الشعارات التي كتبوها .
- أترك التخيل والاستنتاج لكم أعزائي .
المراجع
المعهد العربي للبحوث
التصانيف
عقيدة إسلامية عقيدة مسائل اجتماعية
login |