مع انتهاء القرن الماضي او الالفية الثانية ، كان الوعد الانساني او الامل الكوني ان يكون القرن الجديد ، قرن الانسانية وراحتها وقرن تبدل المفاهيم نحو الحياة وتكريس قيمتها بعد ان انهك القرن الماضي الحياة بالحروب العالمية والاستعمار وصراعات باردة وساخنة.

الامل في القرن الجديد تحول كابوسا خانقا اكثر من كوابيس الحروب ونحن على ابواب استقبال عقد جديد ليس بافضل من سابقة بكل الاحوال ، فالصراع بين الدول في تعاظم والشروخ داخل البلد الواحد ترتفع عاموديا وافقيا ومسألة الدولة الواحدة والهوية الواحدة اصبحت محط شك مسنود بالتشرذم الاثني والطائفي.

وان كان القرن السابق عصر الحروب والاختراعات والصراعات الفكرية والايديولوجية فان القرن الجديد يسير نحو الانقلاب على كل المفاهيم السابقة حتى في شكل الحروب وما زالت ذاكرة الكون تحفظ اسماء الجنرالات وتجار الحروب والثورات اكثر مما تحفظ اسماء المخترعين الذين قدموا للبشرية ما يلزم من وسائل الرفاه والراحة ، فدولة مثل تشيلي ما زالت تحيي ذكرى انقلاب "بينوشيه" ولكن معظم سكانها لا يعرفون اسم مخترع الانترنت او الهاتف المحمول.

وما يحدث في امريكا اللاتينية لا يعكس او يخالف ما يحدث في دول العالم العربي والجوار الافريقي المطحون بالجوع المعلن فيما اكتفى العرب بتظليل مساحات الجوع والحرية وتغييبها وليس انهاء وجودها رغم النفط والتطور الاسمنتي الذي ساهم في تكريس جمود العقل بدل رفعته كما الارتفاع في العمران.

القرن الجديد وعلى ما حصل فيه من رفاه واختراعات وثورات تكنولوجية الا انه حفل بضمور في الاقتصاد واعادة احياء الكهوف والجوع والذبح على الهوية في مشارق الارض ومغاربها وهذه ليست كل مساوئه على اية حال ، فثمة ما هو اكثر سوء ، بعد ان وصل النخر الى المفاهيم ونسف المنظومة القيمية للبشرية جمعاء ، التي غفلت عن انسانيتها وبالاخص في الدول النامية ودول القضايا المركزية ، فرغم كل وسائل الرفاه الاجتماعي والقانوني فما زالت عواصم غربية تسلك شعوبها مسلكا انسانيا اكثر من شعوب اصحاب القضايا المركزية والشعوب الشقيقة لها وتنمو في اطاريف اوروبا وعلى حوافها حركات انسانية ترى في الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين والاحتلال الامريكي للعراق ندبة عار في جبينها ، فتتحرك القوافل والمظاهرات ، في حين اكتفى اصحاب القضية بالصراعات على احقية التمثيل وملكية البساط الاحمر ، فلا الوحدة تحققت في فلسطين ولا الصراع الاثني والطائفي انتهى في العراق رغم الحراك الشعبي في عواصم الكون.

في ثمانينيات القرن الماضي لعب الممثل نبيل المشيني دورا مهما في مسلسل اسمه "حارة ابو عواد" ، لعب المشيني دور من باسمه الحارة ، وظل يرد لازمة باتت مفردة شعبية وهي عبارة "شي غاد" كناية عن الادانة لسلوك الحارة او المجتمع ، ونحن الان لا نجد اجمل او اكثر تعبيرا من جملته لادانة الحالة العربية تحديدا وحالتنا القيمية بعد ان طلب احد المعازيم من صاحب البيت ان يضيف له قليلا من "SUCE" على المنسف ونسي ان اسمه "الشراب" وصارت حالتنا العامة غريبة عنا فالجيل الجديد يطلب SUCE للمنسف وشرابا من اجل "الستيك" و"الهمبرغر". وهذا كله يستدعي فعلا جملة "شي غاد".


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عمر كلاب   جريدة الدستور