طالما كانت فكرة العودة الى مقاعد الدراسة تراودني رغم عوامل التعرية العمرية التي تبدت في مقدمة الرأس وجوانبه بياضا يدعو الى القلق ، واقراصا اتناولها يوميا للكوليسترول والنقرس والقلب ، وارهاق يتصاعد منذ الدرجة الاولى واشياء اخرى لا مجال للبوح بها .

كانت الطريق الى مخيم الجليل في اربد طويلة نسبيا اواخر ايام الصيام واوقاته ولكن الحديث رطب عن الاحلام في الطريق نحو الشمال ، فخضرة الدرب تمنح اللسان فرصة للانطلاق كي يهذي او يتحرك لأجل الحركة بوصفه - اي اللسان - اقوى عضلة في الجسم ، كان الدكتور كمال ناصر الصديق الابوي يحثني على المبادرة قبل ان يتدخل الدكتور محمود ابو شعيرة ويمنحني المنحة والفرصة لدراسة الصحافة والاعلام في جامعة الزرقاء في كلية سترى النور مطلع الفصل القادم .

وحتى تكون المناورة بالذخيرة الحية كان الاقتراح ان اقوم بالتسجيل هذا الفصل في كلية الاداب قبل الانتقال الى الصحافة التي اعمل بها منذ عشرون عاما ، وسط دعم عائلي مهيب وفرح من ابنائي الذين يجلسون على مقاعد الدراسة الجامعية الان ويسبقني اوسطهم بعام دراسي كامل .

دعم موصول من الاسرة لا يخلو من غمز خبيث تحديدا من عدي ومؤاب ، ابتدأ بتحريض والدتهم بنعومة ومن بوابة انثوية بإمتياز ، واول هذا الغمز كان بالطلب من والدتهم افساح المجال لي لكتابة مسجات دون مراقبة او التغاضي عن الهمس في المكالمات ووضع الجل او لبس الالوان الفاقعة وكل ذلك وسط تأكيد من فرات اصغر الابناء بأن تحافظ زوجتي على منحي مصروفا سخيا وساندويشة وحبة تفاح يوميا .

الاسبوع الاول انقضى وسط فجيعة لم اتخيلها رغم عدم انقطاعي عن زيارة الجامعات الاردنية ، بل وكتابتي عن احوالها اكثر من مرة بحكم صداقات ربطتني برؤساء بعض الجامعات ، وحتى اكون منصفا فإن الصورة التي انطبعت في ذهني وصارت اداة القياس كانت صورة جامعة اليرموك في اول ثمانينيات القرن الماضي حين كنت طالبا انذاك .

طلاب تضمر قامتهم واجسامهم مما يشي بكثير من الخوف على النمط الصحي للاجيال المقبلة رغم انحسار عوامل الحاجة الى الاجسام الضخمة كتفسير علمي لضمور الاجساد بوصف الجسم ابنا للبيئة وللجينات ، والاهم ان مستوى الوعي المجتمعي كان ضامرا بأكثر من ضمور الاجساد رغب عدم ابتعادهم عن الجو الدراسي فثمة فهم عجيب للتعليم الجامعي في بلادنا مفاده انه رحلة مختلطة وفق نفس الظروف التعليمية السابقة ، الحفظ والنسخ والتلقين .

اما المظهر فهو حالة تستحق الوقوف طويلا ، ازياء غريبة حتى الشرعي منها وقصات شعر لم ارها حتى على شاشات الفضائيات التي نتهمها بنقل الفراغ الى الشباب ، علبة السجائر والموبايل هو كل ما يوضع على مقعد الدراسة وهمس طوال وقت المحاضرة وثمة مسجات تنتقل في المجال الحيوي للقاعة وخارجها .

وحتى ننصف الجيل الجديد فإن شكل التعليم لا يوفر بيئة داعمة للحوار فالمحاضر يلقي ما في جعبيته ويمضي والطالب يعتقد انه قادر على القيام بنفس المهمة منفردا بعد شراء المرجع المقرر والذي بالعادة ما يكون كتابا واحدا ، دون تحفيز حقيقي بالرجوع الى غيره .

جامعاتنا ليست كما سمعنا او عرفنا سابقا ، فهي تسير الى الخلف وليس غريبا على كل داخل لها ما سمعه سابقا عن عنف جامعي ومشاجرات طلابية لان البيئة الحاضنة للطلاب لا تمنحهم اكثر من ذلك اذا استثنينا كليتي الهندسة والصيدلة وبعض الكليات العلمية بحكم ان طبيعتها الاكاديمية لا تحتمل التلقين بعكس كليات المساقات الادبية التي تدفعك المحاضرة فيها وفق النموذج القائم الى الاغفاء طويلا .

التعليم العالي بحاجة الى اعادة هيكلة واعادة تعريف ومفاهيم جديدة حتى نصل الى ما نريد والى ذلك اليوم نحن امام واقع يحكمنا بالسير الى الخلف .


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عمر كلاب   جريدة الدستور