كان انشغال جارنا الموظف في مصلحة حكومية عاليا يوم الجمعة الاولى لشراء سيارته « الداتسون 120 « حمراء اللون , كان صندوق السيارة او « الدبة « حسب المصطلح الدارج لا يكفي لتحميل كم الطناجر والفرشات والحصيرة البلاستيكية وقلن الماء , وكان الصراخ يعلو وهو يلعن المتأخرين من ابنائه عن الالتزام بآلية الترتيب المقترحة .
سيارة العائلة صرخت من شدة الحمولة ناهيك عن الصغار الذين تكدّسوا في الصندوق مثل حبات الخس , قبل ان تقلع الداتسون الى شمال الوطن في رحلة هي الاولى لجارتنا العزيزة ام محمد وكنتّها وابنها والاحفاد , ظّلت بعدها حقبة تتحدث عن تعب الرحلات ومتعتها والزيادة المفرطة في كميات الطعام التي يتناولها المرتحل .
حزن باقي سكان الحارة كان اشد من حزن الداتسون , فقد غاب صاحب السور الاكثر ظلّا في الحارة وخسر الكبار جلسة عرق الحيط قبل الصلاة ونحن خسرنا في ذلك الوقت حارس المرمى الوحيد في فريق الحارة او للدقة الشخص الوحيد الذي كان يقبل ان يلعب حارسا للمرمى « القولجي « دون امتعاض وقرعة تضيّع نصف الوقت .
الجمعة الماضية قررنا وداع الغور في رحلة تشابه رحلات زمان , فالصيف على الابواب ولا بد من وداع الغور والبحر الميت , قبل ادخال الكوانين في مرحلة النشاط الصيفي وخلع ما علق بها من كسل الشتاء .
السيارات كانت رحبة وواسعة , والاطفال انتقلوا من الدبة الى المقاعد الوثيرة , الحصيرة البلاستيكية صارت تراثا والفرشات الاسفنجية انقرضت , فمقاعد البلاستيك واكبت الحضارة وقامت بالمهمة المطلوبة خير قيام , توقفنا اكثر من مرة كي يغير الاطفال اماكنهم وينتقلون من سيارة الى اخرى , اللحام قام بإعداد اسياخ الشواء وغرسها في بكسة بولسترين بشكل انيق ومرتب يفيض عن فوضى الرحلة المطلوبة .
لم يصفق الاطفال طوال الطريق كما فعل ابناء جارنا الموظف لحظة اقلاع الداتسون الحمراء , لم تبتسم الزوجات كما فعلت « كنّة « ام محمد , بل تبرمن في اغلب الاوقات , ام صديقنا خرجت على مضض معلنة ضرورة اختيار مكان قريب , لأن ركبها لا تحتمل المسافات الطويلة .
طوال الطريق كان الغضب سيد الطريق , ابواق سيارات ومزاحمة غير مبررة ولا تشي بيوم اجازة او اجواء رحلة , الكل غاضب من اجازته ورحلته , كل محاولات المسجل وصخب الاغاني لم تدفع الاطفال للتصفيق , الكل مشغول اما بهاتف والده او هاتفه او العابه الالكترونية .
وصلنا الى الغور لم نجد تلك الاشجار التي نعرفها من رحلات المدارس , كان البحر مائلا الى السواد , كلفة الدخول الى المنتزه العام تقضي على راتب موظف متوسط , لا شيء بالمجان ابدا , مواقف السيارات , ثمن الكانون الحجري , ثمن الاستحمام من مياه البحر المالحة , ناهيك عن قرص الذباب والناموس وباقي الحشرات .
يوم الجمعة وجدنا كل شيء الا الغور والبحر الذي نعرفه , هل غادر البحر ورحلت الاغوار ؟ ام اننا افرطنا في خصخصة كل شيء حتى سياحتنا البسيطة ؟ نريد جوابا يا وزارة السياحة اين نذهب اذا شفّنا الوجد الى الماضي الجميل ؟
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عمر كلاب جريدة الدستور