منذ ابتكار الميزان الالكتروني , ارتفعت نسبة الدقة في الموازين وقياس الكتل , لكن غاب مفهوم التوازن بين الكفتين مع غياب الميزان الذي تعودنا عليه ورسمناه على كل مؤسسات العدالة , والاهم ان قدرة الانسان على التدقيق بعينيه بالتوازن والعدالة صارت محكومة برقم «ديجتال» دون رؤية الكفتين اي دون ملمس حقيقي للعدالة او القسط في الميزان.
ظهور الميزان الديجتال ترافق مع وقوف الكون على ساق واحدة بعد غياب القطب الكوني الثاني , اي ان نظرية الميزان نظرية سياسية تعبّر عن الواقع الكوني وليست مجرد اختراع يهدف الى الدقة في قياس الكتل , وصارت العين الواحدة هي التي تحكم الكون كما الميزان الجديد صاحب العين الواحدة وغابت ادوات القياس البشرية الممكنة.
الولايات المتحدة الامريكية مثلا هي الميزان الوحيد في الكون الان ولا توجد كفّة ثانية , ونحن الان نرى ان الجميع يلجأ الى قياس وزنه في ميزانها , انظمة الحكم تستعين بالولايات المتحدة , المعارضة بدورها تلجأ الى نفس الجهة لنيل الشرعية , الجميع يذهب الى نفس الميزان لنيل ورقة الوزن النوعي , فكيف يمكن للمواطن الكوني التأكد من صحة الوزن وهل هو فعلا مقدار الجاذبية الارضية لهذا الوزن , باعتبار ان الوزن هو مقدار جذب الارض لهذا الوزن.
اختلال القياس الكوني اصاب فيروسه الوطن العربي , ونحن لسنا بمعزل عن هذا الاختلال , فصارت العين الواحدة او الكفّة الواحدة هي المعيار , فالحزب لا يقبل الا ما يصدر عن قيادته السياسية وعلى الاقلية الاذعان لهذا القرار , رغم ان الاحزاب تنادي بالديمقراطية وتطالب الحكومة بفتح مجالات التعبير , وصارت الاقلية مقموعة داخل حزبها وممنوع عليها التعبير عن رأيها , وإلا فالعقوبة جاهزة , او التهمة الاخرى بوصف هذه الاقلية منشقّة او مارقة او انتهازية او مشتراة من الحكومات .
الحكومات صارت تنظر بعين واحدة الى القضايا , فهي صاحبة الرأي السديد وهي صاحبة الحل الناجح وهي الاكثر حرصا على الناس , كما انها لا تخطئ ولا يوجد على ثوبها اي دنس او نقطة سوداء , فريقها مجموعة من الملائكة , لا يأتيه الباطل من اي جنب او اتجاه , كلهم ناجحون على معيار النزاهة والكفاءة , كلهم اجتازوا جهاز الصدق بكفاءة متناهية , فلا يجوز عرضهم على جهاز اختبار الكذب اساسا.
ما يحدث الان ليس ربيعا عربيا او كونيا , بل محاولة لاعادة الاعتبار للميزان صاحب الكفتين , فانطلق الشباب العربي والاردني لوقف هذا الانحياز ليس ضد الحكومات والانظمة بل ضد الاحزاب ايضا , فهم يريدون لمس العدالة وقياسها بايديهم غير الملوثة , لذا حدث ما حدث من رفض شبابي لما جرى في مسيرة العودة وطالبوا الاحزاب بالنزول عن اكتفاهم وكذلك الامر في القاهرة ودمشق وصنعاء وتونس وباقي عواصم الحراك العربي.
ما يريده الناس، ميزان بكفتين يرون من خلاله اوزان الجميع ورجوح كفتهم او هبوطها , يريدون ان يكتشفوا بانفسهم وبأعينهم اوزان الجميع على حقيقتها وليس مجرد رقم يظهر على شاشة مجردة , الناس تريد العدالة فقط ولا شيء غيرها.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عمر كلاب جريدة الدستور