لا تخلو هذه الجملة من حقيقة منطقية بأن سوريا تختلف عن باقي الجمهوريات التي طالها التغيير من حيث مجموعة مكونات جيوسياسية وبنوية داخل النظام السوري نفسه وليس من منطلق مؤيدي النظام السوري الذين يذهبون الى البعد القومي والنضالي ونظرية المؤامرة على سوريا ونظامها الممانع دون حسابات للدم المراق يوميا في شوارع سوريا او البكاء على الضحايا باستحياء بوصفهم ضحايا تغرير خارجي وليسوا ضحايا آلة قمع.

فالمكون البنيوي للنظام السوري اقرب الى المكون البنيوي للنظام العراقي في عهد حكم البعث قبل الاحتلال, واظن ان هذه اول حماية للنظام السوري, فالجيش السوري جيش ايديولوجي واثني وهو مرتبط بنيويا بالنظام السوري او النظام جزء من المنظومة العسكرية والامنية وتعبير عنها وبالتالي امكانية ان يحمي الجيش السوري حراك الجماهير السورية ويحفظ دماء المتظاهرين معدومة -الا في اضيق الحدود بفردية- كما في التجربة المصرية والتونسية ونسبيا اليمنية.

خروج الجيش من معادلة حماية المتظاهرين يعني ان اي نموذج سابق غير قابل للتطبيق في سوريا الا من خلال التغيير داخل جسم النظام نفسه وليس التغيير البنيوي الذي يستهدف تغيير النظام, اي ان النظام سيبقى او تتفكك الدولة بكليتها كما حدث في العراق بعد الاحتلال وتسقط الدولة ويتفكك الامن وتدخل سوريا في مرحلة العرقنة وهذا غير مسموح او مقبول لا دوليا ولا عربيا خاصة وان العامل الجغرافي ومكاتفة سوريا للكيان الاسرائيلي سيدفع الغرب الى اعادة الحساب جذريا وهذا ما قصده رامي مخلوف او حاول تذكير الغرب به في مقابلته مع النيو يورك تايمز.

هذا العامل انسحب على التحالف الحاكم سياسيا وعسكريا, فلم نسمع بعد مائة يوم وعشرين من التظاهرات عن انفكاك او استقالات او انشقاقات لا داخل المؤسسة الديبلوماسية على غرار ليبيا واليمن ولا عسكريا كما حدث في اليمن نسبيا ولا حزبيا كما حدث في مصر قبيل تغيير النظام.

المشهد السوري واضح والتعقيد في جزيئاته الداخلية وفي تداخلاتها مع الاقليم فالايرانيون لن يخسروا موقعهم في دمشق وجسرهم الامن باتجاه حزب الله ودعمه, واسرائيل ستكبح الغرب اذا ما فكّر بإدانة سوريا الى الحد الذي يُمنح المتظاهرون حماية كونية او دعما كونيا يستقوون فيه على النظام الذي حافظ على حدود آمنة مع اسرائيل طوال 44 عاما, خاصة بعدما اجرى النظام السوري تمرينا لشكل الحدود على الجولان اذا ما ضعفت قبضته او تراخت.

كما ان اسرائيل تعي ان تشديد الخناق على سوريا ونظامها قد يدفع النظام الى مأسسة احداث الجولان او تنفيس احتقانه الداخلي عبر بوابة لبنان, وهذه المأسسة لاحداث الحدود ستفتح المنطقة على احتمالات غير محسوبة النتائج او مضمونة المخرجات فكل الاحتمالات مفتوحة, لذا فإن الرهان على موقف خارجي وغربي تحديدا في المعادلة السورية رهان خاسر, والحل في العقل الداخلي وقدرته على ارسال تطمينات لكتلة اثنية تشكّل 13% من السكان, وتوحيد جهود السوريين لانتاج برنامج انقاذ وطني محروس بالحراك الشارعي والوصول مع بشار الاسد بما يمثله من حالة متقدمة نسبيا على ماهر وباقي رموز الامن والعسكر الى اصلاحات سياسية واقتصادية تلغي بالتدريج امتيازات الحلف الحاكم السياسية والاقتصادية, ليس المطلوب الان اسقاط النظام في سوريا ولكن المطلوب ترشيده وإجباره على الدمقرطة والحرية.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عمر كلاب   جريدة الدستور