كانت الساعة تشرف ان يتعانق عقرباها معلنة نهاية الامتحان , عندما جاء صوت هامس ليقول لي : عمّو ممكن تفتح الورقة شويّ , اذعنت للصوت برغبة , شاردا نحو استعراض سنين العمر وكيف مضت وما الذي دفع عشرينية ان تخاطبني عمّو .

نعم هناك شيب على مفرق الرأس , وبياض يغزو مناطق متعددة مع تركيز على الشوارب , لكن القلب ما زال يافعا ولا يريد الوصول بسرعة الى هذا اللقب مجانا على الاقل , بل يريده واقعا بعد ان ينحني الظهر قليلا وتخون الاطراف صاحبها بالارتجاف , وتنوء الركبة عن حمل الثقل الوزني ولا بأس بشبكة او اثنتين في القلب .

ركضت خلفها بعد ان غادرت قاعة الامتحان فقد بقيت انا انتظرها لحين فراغها من نقل ما تريد , واحكاما لقصة مراجعة الورقة التي تحججت بها كي افتح الورقة على مصراعيها , حتى لا يتسلل الشك الى المراقب فينقلني او ينقلها وتضيع اللفظة وما خلفتّها من ندوب على الذاكرة والقلب .

تقدمت نحوها بثقة عشريني , وسألتها ان كانت قد اخذت ما تريد من الورقة وإن كان خطي الرديء قد اعاقها , فقالت : لأ، عمّو , خطك حلو ونقلت براحتي , طبعا مع تخفيف القاف حتى صارت الفًا , تفحصت عشرينيتها بدقة , كان كل شيء فيها يشي بأنها على حواف العشرين , بنطال الجينز وكيف حشت نفسها فيه , بلوزة فائرة , ووجه يقطر دما وشبابا , وحذاء زحّاف يمنح طولها صدقية اضافية .

تذكرت بسرعة نصري شمس الدين , وزريف الطول , واغاني زفة العرسان في ازقة المخيم , والهيلمان على طولو , والهيلمان على خدودو , وقدّك المياس يا عمري , وكل ما ترسّب في الذاكرة من اشعار نزار قباني , وما بقي في اللسان من روايات حنا مينه , كلها جاءت دفعة واحدة مرتسمة على الخرائط الدماغية ولكن كله مغلّفا بصمت الكهوف .

بادرتني بسرعة : عمّو في اشي ؟ فقلت بتلعثم لأ عمي , ابدا حبيت اطّمن عليك , سرحت طويلا في الدرج الممتد من الطابق الثالث الى ساحة وقوف سيارتي , وكيف قفزته قفزا وهي تنادي زميلا لها اثقل رأسه بالجل , وتذكرت كيف كان هو يقفز قفزا على الدرج صعودا وانا اتمهل الصعود مدّعيا الوقار , في حين ان نفسي قفزت قفزا , لكن بياض الشعر اوقف جموحها وطالبها بالاعتذار .

في الطريق شعرت بطنين في اذني , عمّو ... عمّو وهكذا حتى كدت ان اصدم سيارة امامي , اخرج سائقها يده بعصبية وقذفني بشتيمة عابرة للزجاج , تذكرت غسان الحلاق وهو يطالبني دوما بصبغة شواربي تحديدا لانه لم يعد قادرا على التقاط شعراتها البيضاء وفشله في اقناعي ان اصبغ شعري بعد ان تصديت له بشراسة .

راجعت صفحات دروب «الدستور» وقرأت عن شباب الخمسين والبرنامج الغذائي الصحي والرياضة الدائمة وخاصة السباحة , تذكرت جملة تقول: إن الرجل في الخمسين يسترد شبابه فقررت الاتكاء على هذه العبارة ايضا , رسمت ابتسامة وانا ادخل نادي المدينة كي ابدأ البرنامج الشبابي المتأخر قبل ان اتلمس الجهة اليسرى واتحسس مكان قسطرة ناجحة وأعود الى البيت.

بالمناسبة نسيت ان اطالب كثيرين بأن يتركوا لنا زاوية الجمعة كي نقول فيها بعض بوحنا فقد نسينا مشاعرنا .


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عمر كلاب   جريدة الدستور