ينمو على حواف الرغبة العربية بالتغيير شعور بالخوف من التغيير يساوي الرغبة الاولى ويعاكسها في الاتجاه .

فالتغيير الذي مرت به اقطار مثل: مصر وليبيا واليمن وقبلها تونس أفرز ضياعا لمفهوم الدولة وتفككها ما أعلى مساحة الخوف لدى المواطن العربي من التغيير وهذا سيؤسس لشعور اكبر بنوايا التغيير وقواه المحركة والمنظمة.

فالأقطار التي شهدت تغيرا في انظمة حكمها وانتخابات شعبية تم فيها صون صوت الناخب , لم تصل الى مستوى من الأمن الاجتماعي والسلم الأهلي كما كان المنسوب ابان الانظمة المخلوعة او السابقة , وتكفي اشارة توقيف الدوري الكروي المصري وهي الأصغر بين الإشارات, لإعادة قراءة الحالة بكليتها, فالدولة المصرية الممتدة منذ عهد اخناتون وقفت حائرة امام عدم قدرتها على تنفيذ عقوبة بحق نادي مدينة بورسعيد بعد مجزرة ستاد النادي المصري , حيث هدد اهالي بور سعيد بإعلان الاستقلال عن مصر اذا تم تهبيط النادي المصري

هذا يحدث في مصر التي شهدت تغييرا سلميا بكل معنى الكلمة , وكذلك الأمر في تونس التي ما زالت تعاني ولا يختلف الأمر في اليمن الحائر بين التقسيم والقسمة, اما ليبيا فالمصيبة اعظم, فالتفتيت اصاب الدولة الليبية في عمقها بعد الاستعانة بالنيتو وطغيان التيارات الأصولية على المشهد السياسي .

الربيع العربي الذي جاء لتحقيق الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي والسياسي , واجهته مصاعب وعواصف , ليست كلها بفعل ادوات الحكم السابقة ولا كلها ناجمة عن عبث اصابع خفية, فهذا تسطيح للأمر رغم عدم انكاره , لأن الابرز كان اختلاط مفهوم الدولة بمفهوم نظام الحكم , فجرى نقل الربيع من محاولات تغيير الأنظمة الى اسقاط الدولة واسقاط شرعيتها, فكيف يمكن فهم حالات الانقسام في اقطار نجاح التغيير, وفي الاقطار المقبلة على التغيير مثل سوريا والبحرين؟

في ظل تراكم العمل على اجهاض الدولة تحت عنوان تغيير او اسقاط نظام الحكم , الذي نتهمه على الدوام بأنه يسعى لتفتيت الاوطان واللعب على وتر الطوائف والاثنيات والتجمعات , في حين ان ما تبع تغيير الانظمة كان التفتيت وليس العكس .

القراءة لا تعني البقاء في المربع الحالي, بل تستهدف التعرف على مواطن القوة والضعف في الربيع العربي الذي ندخل فصله الربيعي الفعلي وسط امطار من الكوارث والانقسامات, ووسط ضباب وغشاوة لا تفرّق بين النظام والدولة, لأن نفس الادوات الفاعلة في الاقطار المتحولة هي نفس الادوات في باقي الاقطار, وبنفس الصيغة الجينية في التناسل والاستنساخ , من اسماء الجمع الى شعارات التغيير.

النظام هو صيغة سياسية لشكل الحكم في الدولة وليس الدولة بمعناها الوطني والوجداني , وبالتالي لا يمكن ان يكون شكل الدفاع عن الدولة / الوطن , بكسر مواطن قوته ولا بتدمير منشآته وموجوداته البشرية والاقتصادية , بحجة انها تركة من النظام او احد منجزاته , فليس كل السابق خراب ولا كل القادم قمر وربيع .

النظام كائن حي , يسمك جلده , فيصبح قليل التفاعل مع المحيط الخارجي وقليل الاستجابة للمتغيرات , وهذا يتطلب فهم الفروقات وعدم الانجرار وراء محدثي السياسة او مستثمريها على نمط المقاولة الجديدة , وفهم الفروقات الهائلة بين النظام والدولة لأن ما يجري تحطيم للدولة وليس تغييرا لنظام الحكم .


المراجع

مكتبة الجامعة الأردني

التصانيف

صحافة   عمر كلاب   جريدة الدستور