لا يخفي الرئيس فايز الطراونة إحساسه بالقلق والحرج من قرارات اقتصادية مؤلمة نسبيا ستقدم حكومته على اتخاذها لايصال رسالة للجوار والمحيط العالمي الداعم بشأن صدقية الدولة في اجتراح حلول لازمات اقتصادية جرى التعامل معها بطريقة المياومة والترحيل , لا بطريقة استراتيجية ووفق برنامج شمولي للاصلاح الاقتصادي الذي تناوب على تأزيمه حكومات متعاقبة منذ العام 2008 اي بعد حكومة نادر الذهبي الى الان باستثناء محطة واحدة قادتها حكومة سمير الرفاعي التي تجاوزت مسألة الشعبية الآنية واوقفت الامتيازات النيابية والحكومية في التقاعد والانفاق .

الطراونة آثر ان يجرع كأس المرارة في حكومته الانتقالية ويقدم على تحرير اسعار بعض الكماليات حسب تعبير الرئيس , بوصفها عملية ايحائية لجميع الداعمين , بجدية الدولة في تحرير الاسعار وتوفير الدعم للمواطن بدل السلعة , والعيش وفق الموارد الوطنية لا وفق الاحلام والخيال الذي تكرّس طوال عقود , صار فيه الاردن “فاترينة” لعرض كل انواع الكماليات والسيارات بشكل يفوق المقدرة الوطنية والقدرة الشرائية للمواطن , الذي اقدم على الاقتراض بجرأة نادرة لمواكبة الكماليات والظواهر الشرائية , مدعوما بتهويلات حكومية ووعودات بأكل العسل والسمن منذ منتصف التسعينيات الى يومنا هذا .

لحظة الحقيقة التي هرب منها الجميع “ رسميين ومواطنين “ ازفت في ظرف صعب للاسف , وفي ظل ظروف الربيع العربي الذي استثمرته بعض القوى السياسية والفعاليات النقابية لابتزاز الدولة وتحسين ظروفها على حساب الخزينة والاقتراض , وكأن الذي سيقوم بتسديد المديونية الوافدين او الدول المجاورة التي تقدر ظرف الاردن وواقعه الجيوسياسي ولكنها لن تستمر في دعمه للابد اذا لم يقم بدعم نفسه اولا .

نعرف جميعا ان الحكومات المتعاقبة تتحمل القسم الاكبر من التسويف والمماطلة , ونعرف ان اضاعة الفرص لتحسين البيئة السياسية والاصلاح السياسي افقدتنا فرصة , كانت ستوفر بيئة افضل للاصلاح الاقتصادي الذي احتل مرتبة متقدمة طوال عقود دون ثمر , ولكنها لحظة الحقيقة التي يجب الا تمر دون محاسبة سياسية وقانونية لكل الطواقم الحكومية السابقة على هذا التسويف والاخفاء , ويجب ان تمر ايضا بيسر ودون محاولة استثمار انتهازية من بعض القوى السياسية التي تريد استثمار اوجاع الناس لحسابات اللحظة السياسية والاجندة الاصلاحية المستهدفة , فالمواطن والمعارضة يتحملون وزر التوسع في الانفاق دون حساب الواقع والقدرة ودون تحذيرات من العاقبة وكأن المطلوب ان تقع الحكومات في هذا الفخ , فنحن اقبلنا على الاقتراض لما يلزمنا وما لا يلزمنا .

القرارات الموجعة سياسيا واقتصاديا ستأخذها الحكومة شاءت ام أبت , وأخذها اليوم اقل كلفة من تأخير القرار , ومن يريد الاصلاح السياسي عليه ان يتحمل كلفة الاصلاح الاقتصادي في ظل تراجع اقتصادي بحكم اللحظة السياسية واثرها على الاقتصاد الكلي , فرغم ان محرك الربيع العربي اقتصادي بالمقام الاول الا ان المتضرر الابرز كان الاقتصاد نفسه , ودون شك فإن الاصلاح السياسي وإعلاء قيمة المحاسبة والنزاهة ستخرجنا من الازمة وعنقها ولا مجال امام الحكومة الا ان تأخذ القرارات الموجعة وتبدأ بنفسها وبالشركات الرابحة حتى يكتمل عنصر التوفير اللازم لدعم الخزينة ولاجتياز اللحظة العصيبة , على ان يكون هذا النهج متواصلا وليس مجرد قرار حكومي سرعان ما تتراجع عنه او تنسفه حكومة قادمة .

قرارات موجعة ولكنها ستمنح الاردن جرعة لمنع الانهيار الاقتصادي وسيتحملها المواطن شريطة ان يرى التزاما رسميا وجهدا حكوميا في محاربة الفساد ووقف الهدر الانفاق غير المبرر في كل دوائر الدولة .


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عمر كلاب   جريدة الدستور