إنه طائش..متهور إلى ابعد الحدود.
قالت لي والدته وهي تحيد بوجهها عنّي لتنظر إلى فنجان القهوة الصغير المزيّن برسوم نباتية ذات ألوان فاقعة وشديدة التباين. كنّا آنذاك كعادتنا في استقبال الضيوف صيفاً فحين تجنح الشمس إلى مغيبها متحولةً عن سطوتها والقيظ الذي تفرضه طوال فترة النهار إلى رسم بديع لطيف وكتلة حمراء برتقالية ترحل إلى الأفق حيث تلتقي بشفق برتقالي كأنه وفد خرج خصيصاً لاستقبالها..ونسائم منعشة, و يلوح البحر الفضي هادئاً لا نهائياً بسفنه وجزيرة أرواد الصغيرة التي تعوم فيه..يحلو الجلوس على سطح المنزل المطل على البحر.. وشرب القهوة أو المتةّ وتدخين النرجيلة التي كان والدي مولعٌ بتدخينها على وجه الخصوص وتجاذب أطراف الحديث.

كنت أراقب تعابير وجهها الدائري المكتنز الذي ينطوي عن جمال غابر والكثير من الأسى
وهي تشرح لي عن نديم ابنها وصديقي من أيام الطفولة الذي انقطعت أخباره عني مدة طويلة حيث قدّر لي أن أتابع دراستي في الخارج.. كانت تتحدّث عن فشله في إدارة المحل الذي يديره بتمويل من والده بحزن وعيناها تفيضان بأسىً رقيق. وبينما تردد عبارات مبعثرة عن طيشه وسوء تقديره مثل:
_ لقد صرف كل شيء..ثم دخل في شراكة في مشاريع فاشلة دون أن يحسب حساباً لشيء .. وها هم المدينون يطاردونه...
آنذاك وبدون إرادةٍ مني وبالرغم من ذلك الجو الجدّي لم أتمالك نفسي حين تذكرت أمراً ما . فندّت عني ضحكة خفيفة. كانت ضحكتي مشينة وغير لبقة وبدت كشماتة, واستنكر والدي فعلتي هذه بنظرةٍ منه..
ما أعظم خجلي ! ضاق فيّ المكان على اتساعه فنهضت معتذراً بحجة أني ساجري اتصالاً هاماً وأنا ألوم نفسي على ذلك التمادي..وعندما اختليت بنفسي ضحكت من جديد وقد عاد حديثها هذا بذاكرتي إلى الوراء..إلى أيام الطفولة.. وهاكم القصة :
كنّت آنذاك في العاشرة أو أقل , وكنا وشقيقي نتردد إلى منزل نديم في أيام العطل حيث يحلو لنا اللعب والقفز في منزلهم الرحب الواسع المتنوع التصميم . ففي خلفية المنزل حديقة غنّاء كانت والدته تعتني بها أشدّ العناية نبتت فيها أشجار مختلفة مثلاً شجرة ( إكدنيا ) وشجرتي ليمون صغيرتين تبدوان كتوأمين ومجموعة لا تحصى من الورود ذات ألوان بديعة تخلب الفؤاد بجمالهوثمّة دالية عنب عرشت بجذعها الصلب الأسمر على السطح حيث تمتد على ثقالة حديدة احتلت ربع السطح . ويقبع إلى جوارها هناك خزان مياه حديدي مازلت أذكر لونه الأسود وشكله المهيب الذي يطالعك فور دخولك المنزل من فوق الممر البسيط الذي يفضي إلى الصالون الكبير المزين بأشكال هندسية ونباتية من الجبس الأبيض
كان يوماً مشمساً من أيام آذار حيث تجلت أولى بوادر الربيع بالنسائم المحملّة بغبار الطلع والندى الجميل الذي يطيب له الإستلقاء على أوراق الأعشاب الخضراء الفتية التي ولدت بعد مخاض الشتاء.
توجهنا يومها إلى زيارتهم..
رحنا نلعب بشتّى الألعاب..كنت وقتها مدلّهًا بلعبة الكرات الزجاجية الصغيرة ( الكلّة ) ..ولعبنا بها طويلاً ..صرخنا وضحكنا, ثم انضمت إلينا صديقة شقيقته في المدرسة وهي فتاة بدينة بوجه أبيض منمّش تحمل بيدها لعبة مخلوعة الذراع وتبكي لأقل مضايقة.. فلعبنا لعبةً مشتركة مع الفتيات. ثم دعتنا والدته لتناول الغداء حيث حظينا بوجبة لذيذة وشربنا شراب الورد حتى انتفخت بطوننا .
وبعد الغداء وكما هي عادة الكبار استلقى أهله لقيلولة بعد الظهر وطلبت إلينا والدته أن نلعب في الممر الصغير ونغلق باب الصالون كي لا نزعجهم بضجيجنا.
لم يتبدّل الجو بعد الظهر كما هو دأب أيام آذار حيث يشهد النهار فصلين مختلفين فقبل الظهر سماء صافية وشمس ساطعة لطيفة وبعد الظهر تداهم زرقة السماء وعلى حين غرّة سحب سوداء مدعومة برياح باردة وتهطل الأمطار..لذا يسمى هذا الشهر ( آذار الغدّار )
استلقينا على الأرض نتحدث ونضحك..ثم اقترحنا لعبة القفز..حيث أوحاها لنا سلّم صغير يستند إلى جدار الممر نسميه بالعامية ( السيبة ) واللعبة على هذا النحو. نصعد إلى أعلى درجة ثم نقفز على ( فرشة إسفنج ).. نضعها في الأسفل خصيصاً كي تقي أجسامنا من الأرض الصلبة. و مضت شقيقته بهدوء إلى الداخل لتحضر الإسفنجة وتناهى لنا شخير والده شديداً مركزاً فور فتحها للباب..
كنّا نلعب بمرح نقفز من أعلى درجة بينما اكتفت الفتيات بالقفز من منتصف السلّم.وتصبب العرق من أجسادنا..
توقف نديم فجأة عن اللعب وقال..انظروا إلى ذلك الخزان الأسود..سأقفز من هناك ولا حاجة لي بالإسفنجة. لا أحد يدري كيف خطر له هذا ولماذا ؟ بدا الأمر لنا غاية في الشجاعة وتطلعنا إليه باستغراب مقلبين أعيننا بينه وبين الخزان المرتفع مشككين بقدرته على فعل ذلك..
قالت شقيقته:
_ لا إنه مرتفع ساقول لبابا .
فرد بحزم وقد زم حاجبيه الدقيقين الذين يكللان عيناه الخضراوين:
_ إن فعلت سأخبر الغول ليلاً أين تنامين كي يأتي ويأخذك ..
فصمتت لفورها مذعورة ونظرت إليها صديقتها يحدوها الخوف هي الأخرى.. ثم صعد إلى السطح وغاب عنّا لثوان ونحن نترقب في حماسٍ صدق ما ينوي فعله ثم ظهر وهو يصعد الخزان ..
_ أزيحوا (الفرشة ) سأقفز الآن..
_ ساقول لبابا .
_ جربي فقط وسترين ..أزيحي الإسفنجة الآن ..
وما كان من المسكينة إلاّ أن أزاحتها خوفاً من الغول الذي يهددها به..
كان صوت شخير والده ينساب على نفس الوتيرة..ووالدته تغفو متعبة على الديوانة بينما تشاهد إحدى المسلسلات..
أشرأبت أعناقنا و سيطر علينا الفضول بينما نراقبه وهو في الأعلى وقد جثا على ركيتيه ونظر بحذر إلى أسفل محاولاً أن يقدر المسافة. ثم وراح يبحث عن وضعية للقفز
وأخيراً وقف بجسده الصغير النحيل فوق الخزان والغيوم البيضاء تعبر السماء من فوق رأسه بأشكال مختلفة وقال ملوحاً بيديه:
_ هي.. تراجعوا إلى الوراء ثم ثنى جذعه .. وقفز.
و رأيناه جميعاً وقد تراجعنا مذعورين يهبط بسرعة شديدة وفي عينيه خوف ودهشة.. واصطدم بالأرض بشدّة ! كان قد سقط على جنبه وتكوّر قليلاً على نفسه..
ساد صمت لثوانٍ قليلة..
ثم تحرّك منقلباً على ظهره وهو يقبض على ساعده الذي تغير شكله واكتسى
بلون بنفسجي غامق. لقد كسرت يده. وصرخ صرخة مدويّة بدّدت على الفور صورته الشجاعة.. وانكمشنا على أنفسنا من الذعر.
وعقب الصرخة, فُتح الباب وظهرت أمه.. استيقظ والده وجاء راكضاً بشعر منكوش وعينان منتفختان..
_ أبو نديم لقد كسرت ذراعه..يجب إسعافه ..أبو نديم
وسرت فوضى شديدة وقد ارتفع صراخه..
_ ماذا حدث..ماذا ؟ سأل والده بغضب وهو يرتدي حذاءه كيفما اتفق لإسعافه.
_ لقد قفز عن الخزان ..أجابت أخته باكية ..
بينما رددت أمه والدموع تفيض من عينيها..
_ لماذا أيها الطائش.. أسرع يا أبا نديم..أسرع..يجب إسعافه يا ويلي
طائش ( هذا الولد ) ..طائش ..

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب