غضب المصريون أم عتبوا ، فإن القراءة الأولى للنتائج الأولية لانتخابات الرئاسة المصرية تقول بالفم الملآن ، ان نظام مبارك لم يسقط ، و ما زال متماسكا و قادراً على مقارعة كل القوى التي راهنت على الثورة و ميدان التحرير لإنتاج الفارق في مزاج الشارع المصري .
فالفوارق الهزيلة بين مرشح الإخوان و مرشح النظام او الفلول كما يقول الاشقاء في مصر تتحمل نتائجها القوى السياسية المصرية الحديثة و التقليدية التي عجزت عن إيجاد توافق لتشكيل فريق رئاسي قادر على مقارعة النظام السابق و رجاله ، إما لطغيان الشوفينية الحزبية و التنظيمية و إما للتقليل من قوة النظام السابق بعد عزل رئيسه ، فالرئيس سقط و النظام متماسك و يستطيع الى الآن تقديم نفسه للشعب بصفته قادراً على ضبط الأمن و وقف الانهيار الاقتصادي و الاجتماعي في الشارع المصري .
فمنذ سقوط نظام الرئيس مبارك و الشارع المصري يلمس تراجعاً في الاقتصاد و انحداراً في منسوب الأمن و الأمان بل ان فوز الإخوان المسلمين في البرلمان لم يمنح تطمينات للشارع المصري و مثقفيه و احزابه ، كي يطلقوا شارات النصر الحقيقية و يعلوا قيمة الأمل بالتغيير ، فما حدث بعد انتخابات البرلمان كان مقلقاً بكل المقاييس للقوى الليبرالية.
الظاهرة الثانية ان القوى السياسية ما زالت ممسكة بالمصالح الحزبية على حساب الصورة الكلية لمشهد مصر بعد الثورة، لأن مجموع ما حصل عليه مرشحو القوى الإسلامية السياسية و التيار الناصري يفوق النسبة المطلوبة لحسم النتيجة من الجولة الإولى، و كان الأجدى ان يتم تشكيل فريق رئاسي من مجموع القوى السياسية الثورية للحفاظ على التغيير الذي حصل في مصر منذ كانون الثاني الماضي .
فقد تنامى دور حزب “ الكنبة “ في انتخابات الرئاسة حيث جلس 50 % من المصريين على مقاعد منازلهم و لم يمارسوا دورهم المأمول في الانتخابات الرئاسية .
الآن مشهد مصر اكثر وضوحاً من الجولة الاولى ، فالخلاف السياسي سيتراجع مؤقتاً ليظهر بعده الاتفاق على الحساب الجنائي وسيتم حسمه لصالح مرشح النظام السابق , او بين فريق سياسي يحسم مثلاً الرئاسة لصالح مرسي و يكون نائبه حمدين صباحي ليتفرغ المجتمع المصري لمحاسبة اركان النظام السابق جنائيا وسياسيا .
الا اذا حدثت مفاجأة من العيار الثقيل و نجح الفريق احمد شفيق في تشكيل تحالف رئاسي يجمع القوى الليبرالية التي باتت بيضة القبان في انتخابات مصر - رغم استبعاد تشكيل مثل هذا الحلف اخلاقياً - و لكنه ممكن اذا اصطدم برغبة الإخوان في الاستئثار بالحكم في مصر برلمانياً و رئاسياً كما كشف الإخوان من خلال سلوكهم البرلماني على صعيد اللجان البرلمانية .
مصطلح الفلول اسقطه الشارع المصري بعد ما منح شفيق هذا الكم من الأصوات و كشف “ عورة “ السلوك السياسي للقوى الناهضة بعد سقوط مبارك ، فالمناطق السياحية مثلاً منحت شفيق ثقة مطلقة عكس الكثافة السكانية ما يعني ان النجاح على مستوى الأمن الشعبي ما زال هو المطلوب اكثر من الديمقراطية .
مشهد مصر رغم وضوحه الآن إلا أنه مشوب بالقلق فتشتت الصوت الانتخابي يكشف عمق الاختلافات داخل الشارع المصري و هذا يعني امكانية نزول الرافضين للنتائج الى الشارع و العودة الى المربع الاول و ازدياد مساحات الشك بين السياسيين ما ينعكس على مستويات الأمان التي بدورها ستضعف الحالة الاقتصادية و تزيد من هوامش الفقر في مصر ما يعني ان الثورة فقدت شرعيتها و شعبيتها ما لم تتحرك القوى السياسية لإنتاج حالة توافق وتقاسم للمقاعد والقيادة في مصر .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عمر كلاب جريدة الدستور