تخطىء ايران ان اعتقدت ان ربيع الاقليم لن يصلها , وهي التي ابتدأته مبكرا وقبل سنوات من ربيع العرب , ولان الظرف كان مواتيا لآلة القمع وقتها , قبلت اعناق شباب طهران وانصار الحرية فيها اللّي , وتكسرت اذرعتهم ولا نعلم للان عدد الشهداء في ربيع طهران , طهران التي ابتدأت الحرية والديقراطية والانتخابات منذ بواكير القرن العشرين , وكانت ديمقراطية تسير نحو تجربة اوسطية فريدة وقابلة للرسم على جدران الاقليم , لكن تحالف فيها الفساد مع العسكر فرحل الشاه , وتحالف الكاسيت مع صوت الثائر فجاء الخميني بثورته وعمامته , لتبقى العمامة وتغيب الثورة.
ايران دولة عظيمة ولها موروث وإرث حضاري طويل , وفيها الفن والادب والتجارة والعمارة , ومنها جاء النسّاك والعبّاد والعلماء ومنها جاء التجار والفجّار , فهي كيان كوني قائم فيه كل شيء , ولن يقبل ان ينحني كثيرا لظرف طارئ اسمه ثورة الخميني او ثورة الملالي حتى وان بقيت هذه الثورة في الحكم اربعة عقود ونصف العقد.
فما يتسرب من همسات شعبية يثير رعب الملالي , وما ينبلج من ضوء هنا او هناك على صغره يقلق السادة المعصومين واتباعهم , حتى بات هذا القلق مبكيا ومضحكا , فلجوء الدول عادة او الحكام على وجه الخصوص ممن كانوا علمانيين او غير دينيين , الى الدين كي يسند ظهرهم ويحمي سقوطهم كان يعجّل السقوط , ويسقط عنهم شرعية حكمهم الانقلابي او العسكري , ببساطة لان الدين لن يمنحهم شرعية , فيكونوا قد اضاعوا شرعيتهم – على اعتبار ان الانقلاب والرضى او الصمت الشعبي تاليا هو شرعية – ولم يحصلوا على بركات الشرعية الاخرى.
اما نظام الدين او من يحصل على شرعيته من امتلاكه – صحيح الدين – حسب قوله , فإنه يفقد شرعيته ومشروعيته حين تصبح شرعيته شعوذة او مبالغة في الاقتراب من القداسة بدل العصمة , فهو يعرف ان منسوب شرعيته الديني لم يعد كافيا لاقناع الناس بها , وعليه ان يرفع من منسوب هذه الشرعية اكثر فيربطها مباشرة بمصدر الشرعية او ملهم الناس البسطاء.
نظام الملالي وبعد دعمه لكل انظمة البطش باسم الثورة والسكوت عن القتل باسم المذهب او الصراخ ضد القتل باسم المذهب ايضا فقد شرعيته ووزنه النوعي , وانتقاله من الثورية الى المذهبية , اخرجته من دائرة الانظمة القابلة للنمو والتطور والارتقاء , وقبول الصداقات والتحالفات وفقد اصدقاء يؤمنون بضرورة العلاقات الطيبة مع الامة التركية والامة الايرانية فهم جيران وشركاء في المعتقد والثروات والماء.
نظام طهران وبعد دعمه لحراك البحرين مذهبيا , وحراك مصر وتونس “ثوريا” , سقط في فخ المذهب حين تحرك الشارع السوري , وارسل مشاركين للقمع والقتل , وفقد شرعيته الداخلية عند كثيرين ليسوا من دائرة النخبة بل من البسطاء , لان لجوء خطيب جمعة طهران الى القول ان المهدي المنتظر يهاتف خامنئي على الهاتف الخلوي , ليس نكتة او طرفة بل حقيقة يريد منها ان يستجلب عطف البسطاء وهذا يعني ان المرشد المعصوم بات بحاجة الى تجديد العصمة او القبول بها شعبيا , او باتت عصمته محط شك شعبي وبالتالي كان لا بد من هاتف من المهدي المنتظر.
نظام الملالي لا يحتاج الى معجزات وانظمة اتصالات دينية ليبقى , بل يحتاج الى احترام الجوار وعدم العبث بالمذهب والكيل بمكيالين مع حراكات الشعوب , والبقاء في دائرة الفهم المذهبي سيضعه خصما لا جارا , وسيذوق من نفس الكأس لان الشارع الايراني سيلبس رداء عراقته وتراثه ويلقي بكل الدخلاء على ارثه وحضارته الى قارعة التاريخ وقريبا.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عمر كلاب جريدة الدستور