نحتاج الى مراجعات كثيرة لذاكرتنا الوطنية , ونحتاج الى اعادة الاعتبار لمفاصل وطنية كثيرة , حتى لا تصبح “ قلة الوفاء “ ماركة اردنية مسجلة , فليس معقولا ان نتذكر جرحى وضحايا تفجيرات عمان في ذكراها السنوية فقط , وليس معقولا ان تغيب الاسماء عن الذاكرة السياسية حتى تحين ذكرى الوفاة , فنقوم بنشر خبر مجمد ارسله آل الفقيد بالعادة .

اصبحت الذاكرة الوطنية مخزنا من القصص والحكايا مرصوفة على رفوف المؤسسات الرسمية فقط , ويتم التعاطي معها بمواد ارشيفية تصلح لكل السنوات , نفزع يوما لبيت وصفي ثم نتجاوزه ولا نستذكره الا اذا اردنا مناكفة حكومة او تصدمنا اللحظة السياسية بحاجتنا الى رجالات فقدنا رائحتهم في السياسة والعمل العام على كل اطيافه .

نطالب بأن يكون منزل حابس المجالي متحفا ولا نزوره , يصدمنا اذار فنعيد ترتيب اوراق الارشيف وذكرى الكرامة , المرصوفة على كتب الثقافة الوطنية ونقوم بتدريسها ببلادة داخل الغرف الصفية المدرسية والجامعية , ولا تدور عجلات الحافلات الاكاديمية لزيارة بيت وصفي او حابس ونمرّ بخجل على نصب الجندي المجهول اثناء رحلات الشتاء , ونسأل بعد ذلك عن سرّ التراجع في الحس الجمعي الوطني وركض شبابنا نحو تقليد ممثلين او ابطال الكرة العالمية .

ماذا لو قامت كل شعبة في جامعاتنا بزيارة الى بيت وصفي او بيت حابس او الجندي المجهول او صرح الشهيد مرة خلال الدراسة وكان الامتحان عن الانطباعات والمشاهدة ؟ حينها ستكون تلك البيوتات والمراكز الوطنية نابضة بالحياة , وماذا لو قامت الاحزاب السياسية بزيارة الى ضحايا التفجيرات القابعين على كراسي العجلات وزيارة ذوي الشهداء , بدل اللعي المقيت عن المواطن والوطن , وماذا لو قامت الحكومة واجهزتها بمتابعة احوالهم والكشف عن احتياجاتهم واحتياجات ذويهم ؟

لماذا لا يوجد متحف عن حياة ابراهيم هاشم وعبد المجيد شومان , ولماذا ننتظر الوفاة كي نتذكر مسيرة الحياة , للشعراء والادباء والسياسيين , لماذا تنسى عمان عصام العجلوني امينها الامين , ولا تتذكر وزارة التربية ابراهيم الشنقيطي ولا يوجد مركز صحي حتى باسم عبد الرحيم ملحس , بدل ان تصبح اسماء الشوارع بأسماء اباء الموظفين ومعارفهم ’ فيختلط الشهيد بالمقاول , في اسماء شوارعنا ومراكزنا , ولماذا تكون مهمة احفاد الموتى وابنائهم تذكير المجتمع بهم .

نبكي منظومتنا القيمية , وتراجع العفاف وحقوق الجار وتسامح المجتمع , وننسى اننا نقدم قلة الوفاء بشكل مبرمج وممنهج , نسعى الى تكسير كل المنجزات من اجل مناكفة صغيرة , او تحقيق مصلحة ضيقة , نتحدث علنا عن الوحدة والتماسك ونقوم بتكسير كل الروابط امام الابناء والاحفاد , فتصيبهم انتكاسة اجتماعية , فتعلو قيمة العنف وتتراجع فضيلة التسامح والحياة الفضلى .

نريد وطن على قياسنا وقياس مطالبنا الصغيرة , ونريد ان نستذكر الراحلين على الهيئة التي نريدها ونلعن الاحياء قبل ان نعيد اعتبارهم بعد الوفاة , فتصبح كل ذكرياتنا الجميلة في المقابر او في المتاحف المهجورة .

نريد إعادة الاعتبار الى منظومتنا القيمية ونريد ان نعيد مفهوم القدوة الصالحة للجيل الشاب الذي يسير على دروب وعرة رصفناها نحن لهم , بالدسائس والتلون وقلة الوفاء , على شرط ان يصلوا الى الطريق القويم , فكيف سيصلون ؟

نريد حراكا يدافع عن القيمة الفضلى ويغضب على حاضرنا ويطالب بإعادة الاعتبار لكل القيم الاجتماعية , ونريد حراكا يعيد الينا ذاكرتنا الوطنية حتى لا تصبح قلة الوفاء علامة مسجلة .


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عمر كلاب   جريدة الدستور