في زمن الهتاف الذي يملأ الفضاء والشوارع, ثمة فسحة للبوح, ومساحة للوجدان، كي تقول الذاكرة دون ضغوط او تأويل, ما يستحقه راحل ملأ الدنيا حضورا وأقلق محرّك طائرته مهاجع دول وزعامات رغم تحليقها على ارتفاعات هائلة.

يوم ميلاده، بات ذكرى للوفاء, ويوم وفاته كان يوم ميلاد, لا يمكن ان تغفل الذاكرة يوم الوفاء للحسين, ولا يمكن ان تقفز عن يوم تشريني في بلاد للتشارين فيها صولات وجولات كان هو رائدها وفارسها, وعندما تسطخب الايام وتدلهّم الخطوب يكون الحاضر اولا, وحتى في رحيله لا يمكن ان تمنع الذاكرة ان تراجع مخزونها وتقول لو كان هنا؟ في بلد مبسوط مثل كف طفل على بساط بلاد الشام وتجاعيد وجه جدّة كانت سمر الكوانين في ايام الشتاء القاسية, سهول حوران وجبال الشراة وبحر يموت ملوحة ويفيض حياة وعقبة تفيض عذوبة لزائرها, جاء قائد استثنائي في زمن كل ما فيه استثناء, وضع البلاد على خريطة الدنيا وأسكن العباد في سويداء قلبه, فرسموه وشما على القلوب قبل الزنود.

سعت اليه الحكمة وسعى هو الى قوامة امة اضاعت بوصلتها, وتصارعت فيها الخصوم وأكلت الذئاب خيرها ولحمها وعظمها, فنأى عن الصغائر واقام مُلكا على التقوى والعدل والحب, وانزل الناس منازلهم وسبح عكس التيار كثيرا حتى اصابت عضلاته العُضال, واضاعوه قومه برهة, قبل ان يعودوا الى رشدهم ويبحثون عن فتاهم الاسمر الذي اضاعوه في غمرة شطط وصراع.

حمل الهلال الخصيب وما كلّت يداه, وكان مثل جمل المحامل وما انثنى ظهره, وظل على الوعد ممسكا جمر القدس, تثنّى مع الواقع السياسي ولكنه ما انثنى, وبكى القاء العراق في الجبّ, ولم يسمع احد نداءه وهو يقول كيف لهذا الجبّ احتمال الحب, لكن ترابنا القومي المالح ونفط الجزيرة طوى الحب وأبقى الجبّ.

تأتي ذكرى الوفاء, والامة تشهد ميلاد ربيع لما يخضوضر بعد, والظروف تُطبق على خاصرة الوطن اشتعالا سياسيا في الجوار وضيق اقتصادي في واقع الحال, ومن ذكراه نستنهض الهمم كي نعبر الصعب ونمسك على ديمقراطية سبقنا بها الاقليم, فأنجتنا من نيرانه وتقلباته.

ونمسك على القادم من الصعب كي نجتاز السيق الاقليمي والاقتصادي, نستذكر صعوبات تجاوزناها معه وبه, نترحم على روحه ونستذكر صولاته فنشحذ الهمم ونمضي مع عبدالله الثاني.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عمر كلاب   جريدة الدستور