صباح غد سيقوم فريق فرنسي بنبش قبر الختيار , الاسم الاكثر تحببا للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات , او الاب الروحي لجيل المقاومة الفلسطينية مع جورج حبش ونايف حواتمة واحمد ياسين وغيرهم من رموز النضال الوطني الفلسطيني , لكن الختيار دون شك كان اكثرهم جدلا واكثرهم حضورا في المشهد الفلسطيني والدولي , ليس بحكم جدلية القضية الفلسطينية بل بحكم جدلية الرجل ذاته , ومعاصرته جيل القادة التاريخيين وجيل زعماء التحرير الوطني في العالم العربي وإن كان اخر زعيم قاد ثورة تحرر وبات رئيس دولة ثلثها على الارض وباقيها على الورق , قبل ان تنحسر الدولة عليه , وتصبح غرفة في المقاطعة وبعدها قبر في رام الله .

جدليته صاحبته حتى بعد وفاته , فالختيار الذي لم يعرف طعم الراحة يوما او النوم على غير فراش القلق , نقل قلق الحياة والقضية الفلسطينية الى قبره , وكما كان سرّا غامضا لكثيرين كان استشهاده اكثر غموضا , فالراحل كان محاطا بالاعداء من الداخل والخارج , ورسم الخيال العالمي والفلسطيني قصصا متعددة لوفاته , واضاف استشهاده مجالا خصبا لتهم جديدة في الواقع الفلسطيني , اضافة الى الخيانة والتفريط والمساومة , وصار سهلا ان تضيف , شارك في اغتيال الختيار .

يحتاج عرفات الى بعض الراحة , ويحتاج الى نوم هادئ طويل , فهو لم ينم طويلا في الحياة ولم يعرف الفراش الوثير , رغم ان محيطيه ناموا على ريش النعام وهو يعلم ويصمت , لم يؤكل مترف الطعام , في حين اكل محيطوه الكافيار والسلمون طويلا , وربما كان هذا سببا في رحيله بتواطؤ من الجميع .

اسرائيل كانت تريد وفاته طبيعية , ولا تريده ان ينتسب الى الشهادة , فهو حاضر بكثافة في العقل والوجدان الوطني , فكيف اذا تراكم ذلك مع الشهادة ؟ ومحيطوه باتوا يشعرون به عبئا عليهم وعلى مشاريعهم الشخصية والتفريطية , ولم يساورهم ادنى شك في ضرورة رحيله , بالشهادة او بالوفاة , فالمهم عندهم رحيل الختيار وغيابه عن المشهد الوطني والاقليمي , ومن هنا يبرز الغموض في الوفاة رغم وضوح النوايا عند الجميع , فالختيار ظل عصيّا على التوقيع والتفريط , وظل ممسكا على اوراق السياسة بيد وداعما للمقاومة باليد الاخرى .

اسرار فتح القبر وايقاظ الختيار من نومة طويلة كان يحتاجها , توحي بالكثير من القلق , فثمة هاجس يقول انهم يريدون سحب شهادة الشهادة والاغتيال الدنيئ عن الرجل , وهاجس اخر يقول ان ثمة شهادة براءة سيتم منحها لدولة الاغتصاب , وتصغير القصة على قدر وفاة طبيعية او اغتيال داخلي , فيه القليل من العمالة والكثير من الثأر الشخصي وإستعجال الزعامة او القيادة , فكل الموجبات التحقيقية تأخر موعدها كثيرا , ورحل طبيبه اشرف الكردي ربما قهرا على عدم الاستماع لمطالبه بالتحقيق وربما انحيازا لرفقة الختيار , فالكردي رحمه الله ظل على عهد الوفاء للختيار .

فتح القبر وايقاظ رفاة الشهيد , لن تقف عند حدود تحقيق الطبي الشرعي , بل ستكون حالة اختراق صهيوني لكل ثوابت القضية الفلسطيني , اذا ما صدقت الهواجس , وسيكون الشرخ الفلسطيني اكثر عمقا وإتساعا , فالمزاج الكوني كله كان في ذالك الوقت مع رحيل الختيار , ولم يتغير المشهد كثيرا , ولم يتراجع التأثير والأثر الاسرائيلي على الواقع الفرنسي او العالمي , وحتى طلب التحقيق لم يأت من جهة موثوقة فكل قصة زواج الختيار كانت غصة عند كثيرين , والخشية ان جثمان الشهيد سيكون قنبلة تفجير داخلي في وقت يحتاج الواقع الفلسطيني الى التماسك والوحدة , وربنا يستر .


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عمر كلاب   جريدة الدستور