لم يكترث السلوك السياسي بقصة الفيلم السينمائي الذي حمل نفس الاسم في القرن الماضي , رغم نهايته المفجعة , ومارسوا نفس المسلك المدان والمرفوض , فغرام السلطة أعمى احزاب وشخصيات سياسية عن الالتفات الى المصلحة العليا, التي تعني قياس القرار في مختبر الوطن والمواطن , وليس في مختبر الحزب ومصلحته الضيقة او النفوذ الذاتي للشخصية السياسية .
ومارسوا ابشع اشكال الانتقام من خصومهم السابقين, حتى اولئك الذين تحالفوا معهم خلال رحلة الوصول الى المنصب , ودائما ما تستمع الى شخصية سياسية تشكو بقسوة من ظلم شخصية ساندتها للوصول الى المنصب , وكثيرا ما ترى كيف تتحول التحالفات الحزبية الى مشاحنات داخلية وثنائية , تتفوق على المشاحنة مع الخصم السابق الذي طواه التاريخ والمرحلة السياسية الراهنة .
ابشع اشكال الغرام , غرام السلطة , لانه غرام لا يحترم اية قيمة انسانية او اخلاقية , ولا يحتفظ بأي سطر من اسطر الذاكرة السابقة , ورأينا كيف تبادل حلفاء الميدان ابشع التهم واقسى الهتافات بحق بعضهم البعض , بل تجاوزت سقوف هتافاتهم ضد بعضهم البعض كل السقوف التي خرقوها خلال التحالف في الميدان , والايادي التي كانت تتشابك قبل عامين معلنة التحالف ضد السلطة وقتها , بدأت تحمل الخناجر للطرف الاخر .
لا يختلف المشهد كثيرا في ميادين التحرير الاخرى , فقد انهالت الخصومات على اول بشائر النصر في الربيع العربي , وتبادل الفرقاء ما رزقهم الله من نعمة , قبل ان يتبادلوا قذائف لفظية وصدامات في المدن والسواحل , وثورة النيتو لم تخالف في منهجها ثورة الميادين , فنحن لا نتقن فن الاختلاف , ورغم احترامنا الكامل لثورة نيلسون مانديلا وتكريسنا الرجل كعنوان للثورة والنصر , إلا اننا تركنا تراثه تحت اقدامنا ولم نتعلم منه ولو نزر يسير من ثقافة التسامح ومبادئ الانصاف والمصالحة .
فجأة وبعد اول اشتمام لرائحة السلطة ننقلب الى قبائل متناحرة , وتصبح البسوس سيدة الهتاف الدائم ورائدة الجماهير , ونستحضر كل ما سمعناه من قصائد الهجاء , ونكون اما داحس واما الغبراء , ولا يوجد من يدفع دية القتلى , فالنفط مشغول بإشعال الحرائق والغاز يتطاير لحرق عيون المتخاصمين .
خلال اسبوع واحد استحضرت الكنانة كل ما تيسر من قاموس الشتائم , وخلال اقل من اسبوع استحضرت الخضراء كل السواد الافريقي , والجميع ينسى ذاكرة الثورة واخلاقياتها , وزمان اقتسم فيه الاخواني الخيمة او الزنزانة مع الليبرالي او العلماني , وكأن زمان الثورة فاصلة عشرية لا اكثر .
منظر الكنانة او الخضراء , لا يسر صديق ويفرح كل الاعداء , فقد استعجل الثوار اقتسام الكعكة حتى قبل النضج , وقد استطعم الثوار طعم لحم الشقيق دون ان يهتز له رمش , ولم تشفع خيمة الميدان او زنزانة الطاغية في لجم شهوة السلطة او تقلل من منسوب الانتقام .
منظر ساحة الحسيني ودوار الداخلية لا يشي بنمط مغاير , ولن نكون اقل انتماء لداحس والغبراء من الاشقاء , بل العكس نحن اقرب الى القبيلتين بحكم الجغرافيا , لكن الفرصة امامنا ما زالت سانحة , والخروج الى ثقافة الحوار والتوافق ما زالت غير بعيدة رغم صعوبتها , والعاقل من يتعظّ بغيره .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عمر كلاب جريدة الدستور