كانت الظروف السائدة في العقدين الأخيرين تفتح الابواب امام تحولات جذرية في المجتمع الاردني ، بخاصة بعد توقيع معاهدة السلام ، و ترافق ذلك مع انفكاك احلاف سياسية و اقتصادية و بروز اخرى وليدة تبحث عن شهادة منشأ في تربة الظرف الجديد ظرف معاهدة السلام و انتهاء الحرب و التبشير بالسمن و العسل و معاهدات التجارة الحرة و منح الاردن فرصاً جديدة في الاقتصاد .

ورأت التيارات ان هذا الأمر ممكناً بل مطلوباً في ظل تململ قوى الدولة التقليدية و رجالاتها بعد المعاهدة التي دفعت بكثيرين الى النأي بأنفسهم.

و بشرت جماعة المعاهدة بالواقع الاقتصادي المبني على ملكيات زراعية كبرى و توكيلات خارجية و صناعة خفيفة او متوسطة و بنوك بعالم اقتصادي اقليمي ، و استندت تلك الرؤى على أن الطبقة الاقتصادية الكبيرة في الاردن بلا قاعدة اجتماعية، و بالمقابل فإن الطبقة المتوسطة انذاك و الطبقة الفقيرة لم تتمكنا بعد من صنع قاعدتهما.

أما القطاع العام الذي يشكل الاطار الاوسع و فيه جماعة من اصحاب الكفاءات , فهو محكوم او مرتبط بناظم وظيفي و هذا لا يصنع طبقة سياسية و بناء على كل ذلك فقد كان الواقع يشير الى إمكانية نجاح توليد طبقة جديدة تدخل الى نسغ المجتمع الاردني .

بدأت المعادلة بعد المعاهدة في توليد قطاع خاص ، اخذ يبحث عن دور سياسي في مراحل “ الخداج “ او الولادة المبكرة فبرز دوره سريعا لأسباب بعضها صحيح و بعضها مصطنع و بعضها غامض اخذ شكل المناورة .

كان الصحيح منها ان العالم بدأ يتجه لمنح و فسح المجال للقطاع الخاص بهدف توسيع افاق و مجالات التنمية ، فالقطاع الخاص يمتلك حيوية كامنة تؤهله لتحفيز المبادرات الفردية على زيادة طاقة الانتاج و التوسع الافقي و العامودي و قادر على إيجاد منافسات صحية بين قطاع عام بحاجة الى التخلص من بيرقراطية كلّست مفاصله و قطاع خاص له ملامح شابة يمتلك مرونة و إيقاعا يساعد على تنشيط دورة رأس المال .

أما المصطنع فكان بإغفال قاعدة اقتصادية عميقة تقول ان القطاع الخاص بالقيمة الحقيقية له يحتاج لوقت للنضوج و لانضاج الواقع الحر و الفضاء الذي يتحرك في دواخله ، وقت لنضوج القطاع ذاته لإنتاج رأس مال مستعد للالتزام الاجتماعي و للقيام بدور مجتمعي ، دون عدوان بالفساد يتجاوز به حدود المشروع الى ما بعده لأن نجاح رأس المال الخاص له شروط :-

  • أن يدخل القطاع الخاص الى السوق بمشروعات مربوطة أو موصولة بخريطة الاقتصاد الوطني و احتياجات هذا الاقتصاد .
  • أن يدخل القطاع الخاص و معه رأس ماله الخاص بحيث يكون اعتماده على النظام البنكي في حدود معقولة و كما هو متعارف عليه عالمياً .
  • أن يكون القطاع الخاص قادرا على تحمل مخاطر الربح ، بإعتبار ان هذه المخاطر هي مشروعية الربح .

و أما الغامض منها فكان الاستيلاء على القطاع العام و بالتحديد وحداته الرابحة او تلك المالكة لخيرات البلاد و لكن ادارتها سيئة أو لم تواكب العصرنة و الحداثة و التحولات القيمية لمخرجات إنتاجها , فقام القطاع الخاص بدوره بالاعتماد على قطاع البنوك العامة و التحويلات شبه الرسمية دون مخاطره بأمواله بشراء اسهمها جزئيا او كليا و لجأ الى الدولة لحمايته من المخاطر التي كان يجب ان يدفعها من ماله الخاص ، فجرى تعديل قانون الضمان الاجتماعي او صندوق الامان الاجتماعي ليتحمل المخاطر و التبعات فتولدت ظاهرة التقاعد المبكر و تعمقت حتى باتت هي الاساس بعد العام 2001 .

وسط هذه الظروف الذاتية المشوهة جرى التأسيس لتوليد طبقة جديدة يسندها واقع موضوعي متناثر و غير موحد ، حيث نهضت تيارات لمقاومة الخصخصة لكنها محدودة التأثير و الحجم و فشلت النقابات العمالية في التأثير على القرار نتيجة الهيمنة على قياداتها و تشرذم ادائها ، و قبل العاملون بفكرة الراتب التقاعدي المبكر إما لأن فرصته لتحسين الدخل بعد الذهاب الى عمل جديد او البقاء في نفس الموقع بشروط جديدة تحمي شركات الخصخصة التي ابتدأت بخصخصة الادارات ثم خصخصة الملكية تمهيداً لبيعها بالتجزئة او دفعة واحدة .


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عمر كلاب   جريدة الدستور