الدول الصغيرة حجما والقليلة الموارد , لا تحقق غاياتها أو أهدافها بغير الاشتباك مع المحيط ومع الأحداث الجارية حولها , ولا تقف على السياج لأن الوقوف يعني انتهاء الاشتباك وبالتالي انعدام القدرة على التفاعل مع المحيط واستقبال ارتداد الاشتباكات والجلوس تحت وطأة مُخرجات الاشتباك , فالثمن مدفوع سواء اشتبكت او وقفت على السياج تنتظر او تمارس الفرجة .
في خمسينيات القرن الماضي انبثقت فكرة الوقوف على السياج ابان الحرب الباردة وبعد انتهاء الحرب الكونية الثانية , فخرج الى الكون مولود يُدعى دول عدم الانحياز , وسرعان ما تجاوز الكون هذا المولود الجالس على الجزيرة الوسطية للشارع العالمي , وكان يستقبل فقط طرطشات الأحداث المتسارعة وغبار وعوادم السائرين على الشارع الدولي بيساره او بيمينه .
عدم الانحياز افرز استقطابا داخليا رغم شعار عدم الانحياز , مصر ويوغسلافيا السابقة انحازتا نحو المنظومة الاشتراكية او حلف وارسو فيما انحازت دول اخرى الى حلف الاطلسي والمنظومة الرأسمالية ولم يتبق من الشعار الا اجتماعات دورية واستقطابات بين المعسكرين , اما المضمون فكان انحيازا مطلقا الى القوى الكونية المتصارعة بجليدية او بسخونة وفشلت التجربة .
انسانيا لا يوجد مفهوم للحياد , فإذا شاهد الكائن البشري مباراة بين فريقين لا يعرفهما اساسا ومارس الفرجة سينحاز بعد وقت قصير الى احد الفريقين , فأسباب الانحياز موجودة إما لأن لون ملابس احد الفريقين تقارب ذوقه او لموقف مهاري من احد اللاعبين او لمواقف دولة احدهما مع مواقفه السياسية وقضاياه القومية والاسباب تطول , والنتيجة الواضحة لا يوجد حياد او عدم انحياز في الدنيا او في الحياة او داخل النفس البشرية .
الحياد كلمة طريفة والتفافية , فهي تعني انني لا استطيع ان اقول موقفي لاسباب متعددة او لغايات باطنية , فأقول انني على الحياد وهو موقف ضمني يشير الى رفض الموقف السائد او عدم القدرة على مواجهته , وعندما يتعلق الامر بالدول او بالسياسة فإن الحياد يعني انني لا استطيع ان اواجه الموقف او ان أُخضعه لشروطي فأقف على الحياد حتى لا أخسر موقعا أو أعارض من يمتلك القرار او اسعى بانتهازية الى ارضاء الجميع .
الحياد او اللاموقف يمكن تكييشه لاحقا داخليا وخارجيا في السياسة , فأي طرف سيحسم الامر لصالحه سيكون متجاوبا مع التبرير اللاحق , بأن الموقف كان ضد مصالحه و الحصافة تقتضي تحييد الموقف المضاد , فعلى الاقل ان لم يكن معك فلا يقف ضدك , وهذا اسوأ اشكال الاستثمار السياسي , ودللت التجارب على ان دول عدم الانحياز او دول الحياد بقيت على هامش الكون ولم تدخل الى تفاصيله , وكذلك الافراد او السياسيين المحايدين خسروا الجغرافيا السياسية ولم يذكرهم التاريخ , فكل الشخوص المذكورين في التاريخ من اصحاب المواقف حتى لو اختلفنا مع مواقفهم .
في دروس الجغرافيا السياسية قرأنا عن مصطلح جَور الجيرة او الجيرة الجائرة , وقرأنا انه من المستحيل فصل ما وصلته الطبيعة , والطبيعة وصلتنا مع جيرة جائرة فكيف يتحدث عباقرة المناصب التنفيذية والتشريعية عن حياد في وسط جيرة جائرة ووصل لا يمكن الفكاك منه .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عمر كلاب جريدة الدستور