ليست النكبة الاولى بأكثر خطورة من النكبات التي تتالت على الشعب الفلسطيني , فإذا أضاعت النكبة الأولى ثلثي فلسطين ارضا وسكانا , فإن النكبات المتتالية شرعنت الضياع ومنحته صفة الديمومة والاستقرار , بعد أن باتت اسرائيل دولة شرعية مُختلف على حدودها وسمتها الدينية وصار الشعب الفلسطيني على ارض فلسطين يحمل صفة عرب الـ 48 وفي أحسن الاحوال عرب الخط الاخضر .
سنوات النكبة الـ65 اختصرتها سلطة رام الله بصافرة حداد استمرت 65 ثانية بمعدل ثانية للعام الواحد فشكرا للاختصار الذي يشير الى الاختزال , فخلال العدوان الاخير على قطاع غزة اشعلت رام الله الشموع والآن تُطلق صافرة الحداد وموعدنا القادم مع اختصارات واختزالات جديدة ربما تضيف لمسة جديدة على ملمح النكبة وانعكاساتها على وجوه اللاجئين .
اللاجئون تباينت ردود افعالهم وفقا لدول اللجوء , فثمة من ينتظر قذيفة تريحه من اللجوء في مخيم اليرموك وثمة من ينتظر انتصار الدولة السورية فيسير بين زقاق المخيم محاولا إعادة ترميم ما دمرته النكبة السورية , وكذلك الحال في ليبيا الموزعة بين ثوار الناتو وثوار ضد الثورة , وعلى حدود مصر هناك فرح بتجنيس ابناء المصريات، وحمل محمود الزهار الجنسية المصرية رغم ان سلطة حماس تمنح الجنسيات الشرفية للزائرين وعلى رأسهم يوسف القرضاوي الذي خرج بجنسية واحدة ومئات القبل على يديه احتفالا بالنكبة .
في البلد الأكثر احتضانا هناك اقتصار للنكبة وتفريغ لمضمونها باختيار عينات من المخيمات لإحياء ذكرى النكبة , متوزعة بين الاناشيد الدينية والفرق الغنائية , فموسيقى النكبة هي السائدة , والخلاف على شرعية اللحن ومصاحبة الآلات الموسيقية للفرقة , ام اقتصار النشيد على الدفوف والطبول , فهل هناك نكبة اكثر من نكبتنا الموزعة بين الدفوف والعود , بعد ان تحولت النكبة الى موسيقى دائمة ولحن متصل ؟
على هامش إحياء النكبة ثمة نكبة اخرى في الجدل الدائر بين المحاصصة وخطأ التجنيس , فالصحوة القادمة من ذكرى النكبة بالضرورة تحمل صفات المنكوب وتنعكس على حواره البيني , لأن كل نكبة تحمل من سابقتها الكثير , فيصير الجدل نكبة بحد ذاته طالما يفتقد للشروط الوطنية وأدوات الحوار ومفاهيمه .
نكبة الـ 48 اقل النكبات ضررا , بعد ان تجلّت النكبات التالية وفرضت ايقاعها على امة مهزومة على كل المستويات الحضارية , فمفهوم الدولة متآكل ومفهوم سيادة القانون مزاجي وشكل العلاقة بين الدولة العربية ومواطنها بدون ملامح , فلا هو ريعي ولا هو ديمقراطي فهو خليط هجين من كل ادوات ما قبل الدولة ومزيج مثل سائل الساحرات دون ضبط للنسب , فكان المُنتج حالة وهمية فيها ملامح عربية , انعكست على المُستضيف واللاجئ على حد سواء , فثمة لاجئون في اوطانهم يحملون بؤسا وفقرا يستغربه اللجوء نفسه .
أمة تتعامل مع ذكرى النكبة بكرنفالية غريبة قوامها الموسيقى والأناشيد وصافرات الحداد , لن تفرز أملا بعودة الاراضي وعودة اللاجئين وتعويضهم , ولن تفرز واقعا ضاغطا على دولة الاحتلال لقبول حتى الاشكال المريضة من الحلول التفريطية , ولن تمنع شخوصا من الخجل بمشاركتهم في ذكرى اغتصاب فلسطين بوصفه عيد استقلال اسرائيل .
النكبة التي قرأناها وسمعناها من الأجداد والآباء هي أقل اشكال النكبة ألما لأن ما تلاها من نكبات خفف الكثير من مراراتها , وسيكون إحياء الذكرى القادم إلقاء الورود التي ستحمل اعداد سنوات النكبة على مجسم له شكل فلسطين او على ضريح فلسطين .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عمر كلاب جريدة الدستور