يختلف كثيرون إن كان هناك سياسيون بالمعنى الاحترافي داخل جدران النخبة السياسية , وتميل شخصية بوزن دولة عبد الرؤوف الروابدة الى الرأي بأن الوظيفة الرسمية انتجت السياسي وليس العكس وهذا مرض تعاني منه الحالة السياسية لكنه ليس المرض الوحيد , فثمة أمراض وأعراض أخرى أوجدت الضعف السياسي العام , فالحالة بكليتها غير دافعة لإيجاد السياسي في الأردن والسماح له بالتطور والارتقاء .
فالسياسي او العامل بالحقل السياسي محاط بمئات المقاصل التي تنتظر منه جملة او تصريحا , لتبدأ المقاصل بالنبش على سلسلة جدوده ووصولا الى مهنة الأب واحيانا اسم الأم لإثبات ان الرأي صادر عن قيمة متدنية عرقيا أو عشائريا , أو رغائبية شخصانية إما امتنانا لمنصب أو طلبا له او نكاية بمنصب غادره , فالنقاش يدور حول القائل وليس التصريح وصدقيته أو مواءمته للحالة الراهنة .
وكخطوة تالية تبدأ المقاصل بنبش تصريحات سابقة أو اقوال اثناء المنصب , فالمقاصل تفترض في السياسي انه ايديولوجي ويجب أن يبقى ثابتا على رأي واحد حتى تفيض الروح الى بارئها , وفي نفس الوقت نطالبه بالديمقراطية والمرونة السياسية وبملاحقة الظرف الراهن , فالسياسي مطالب بالشيء ونقيضه في ذات الوقت وعلى أي جنب يتقلب فهو مدان أو هناك ادانة قادمة .
هذه الازدواجية اعراضها متوافرة في الحكومة والمعارضة على حد سواء , فالمعارضة طالبت الحكومات سابقا بالوقوف الى جانب النظام العراقي التي رأت المعارضة صورته في القمر وتقاسم رغيف العيش معه إبان العدوان الامريكي البريطاني , وعلت الاصوات لتطالب الاردن بالوقوف في خندق الأمة , علما بأن اطيافا من الشعب العراقي كانت تنادي بالتدخل الاجنبي لتخليص الشعب من نظام الحكم الدموي – بحسب رأيها – والذي استخدم الاسلحة الكيماوية ضد حلبجة واطياف من الشعب العراقي وقتل الآلاف .
نفس القوى تطالب الحكومة بالوقوف الى جانب الشعب السوري في ثورته وتخليصه من نظام الحكم الدموي الذي يستخدم السلاح الكيماوي ضد شعبه ويقتل الآلاف من السوريين , وهي التي تصالحت مع النظام ذاته على دم حماة وحلب بحسب رأيها هي , وعادت لتطالب بثأر العرب من النظام على نفس الدم , ونظام دمشق ونظام بغداد ينتميان الى نفس المدرسة السياسية البعثية .
بالمقابل تطالب الحكومة المعارضة بالرشاد وقراءة اللحظة السياسية الراهنة والتعاطي مع الواقع وسرعان ما تبدأ بتسريب الأخبار والروايات عن اي لقاء يحدث بين السفارات الغربية والمعارضة بصورة تشير الى اتهام المعارضة بالتعامل مع الغرب وكأنه جريمة تتبادل فيها الادوار مع المعارضة , متناسية انها تتلاقى معهم يوميا وانها تطالب المعارضة بالرشاد والانفتاح فلماذا الاتهام اذن؟
, فإذا كان اللقاء مع الغرب وسفاراته جريمة فلندين الجميع , واذا كان دعم الانظمة العربية واجبا قوميا وشرعيا فلنوافق على دعم كل الانظمة المتشابهة على الاقل .
المقاصل المنتشرة نجحت بدعم كل مكونات اللعبة السياسية حكومة ومعارضة، والتناقض موجود عند الطرفين , وهذا ما سمح بحالة الاختلال الحالية وإيجاد مقصلة جديدة بشرفات ماضية اسمها المعلقون السياسيون والالكترونيون الذين يفتكون بكل رأي او يضعونه في خانة القداسة فلا حل وسط , وكل التعليقات مبنية على رغائبية شخصانية لا أكثر ولا أقل .
نشكو من خلّو الساحة من السياسيين ونطلب بوجود ساسة على غرار ما نراه على فضائيات لبنان ومصر وننسى المقاصل التي زرعناها في طريقهم، ونتناسى ايضا ان الساسة في بلادنا بلا حماية حزبية او مجتمعية مثل ساسة الجبل في لبنان او ساسة التيار الشعبي في مصر الذين ينصرهم الآلاف ويحتشدون لأجلهم , ما نريده فسحة للرأي فقط وان يتم انتقاد الرأي برأي مقابل وليس مجرد نسف الرأي وتبيان مزالقه دون رأي اخر , فقد ثبت أن الرأي والرأي الآخر مجرد دعاية فضائية ووسيلة لعرض الرغبات وليس عرض الاراء .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عمر كلاب جريدة الدستور
login |