الحمد لله رب العالمين و أفضل الصلاة و أتم التسليم على إمام المجاهدين و على آله و اصحابه أجمعين
الشورى أمر عظيم و جد خطير في حياة الأمة المسلمة عامة و في حياة المجاهد خاصة ، حيث تتوقف عليها كثير من الأمور في تحقيق الأهداف و الوصول إلى الغايات ، من أهمها الالتزام و الطاعة ، و هي صفة اساسية يجب أن يتصف بها كل أمير ينشد العدل ، و أن يتحلى بها كل قائد يسعى إلى النصر ، و هي مقدسة كون أن العمل بها جاء في القرآن الكريم فهي أمررباني ، و خطة اسلامية ، بغية كل مؤسسة دستورية ، تتوقف عليها صحة عمل الجماعة ، و معرفة الخطأ من الصواب في الأمور كلها ، مدنية أو عسكرية ، يقول الشهيد السيد في  ظلاله : ( الشورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن تكون نظاما أساسيا للدولة ، فهي طابع أساسي للجماعة كلها ، يقوم أمرها كجماعة ، ثم تتسرب من الجماعة إلى الدولة ، بوصفها إفرازا طبيعياً للجماعة ) فهي بذلك تهم كل أفراد الدولة على اختلاف اعمالهم و صفاتهم .
تعريف الشورى : لغة : عرض الأمر على الخيرة من الناس حتى يعلم المراد منه
و تعريفها في المفهوم العام : هي استبيان رأي من له خبرة بالشؤون السياسية و الحربية و الاجتماعية و الاقتصادية ، مع وجود الإيمان و النزاهة و الإخلاص .
و دليل مشروعيتها من القرآن الكريم قوله تعالى : "         وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ " سورة آل عمران : 159 ـ ففيها حث من الله سبحانه و تعالى لرسول الله صلى الله عليه و سلم بمشاورة اصحابه ، وقوله تعالى : " وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ " الشورى : 38 .
و من السنة المطهرة : ان الرسول صلى الله عليه وسلم شاور اصحابه في الكثير من الأمور، منها الحادثة المعروفة قبيل غزوة بدر ، فقد ذكر أصحاب السير: أن الصحابي الجليل الحباب بن المنذر بن الجموح رضي الله عنه قال : يا رسول الله ، أرأيت هذا المنزل ، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ، ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال الرسول صلى الله عليه و سلم : بل هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال : يا رسول الله ، فإن هذا ليس بمنزل ، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم ، فننزله ، ثم نغور ما وراءه من القُلب ، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ، ثم نقاتل القوم ، فنشرب ولا يشربون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد أشرت بالرأي . فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس ، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ، ثم أمر بالقلب فغورت ، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه ، فملئ ماء ، ثم قذفوا فيه الآنية .
و كذلك شاورهم في أحد و في غيرها من المشاهد ، و حث عليها بالقول و رغب بها فقال صلى الله عليه و سلم : ( ما تشاور قوم قط بينهم إلا هداهم الله لفضل ما يحضرهم ) و في رواية أخرى ( إلا عزم الله له بالرشد أو بالذي ينفع ) فتح الباري ـ 13 / 420 ـ .
و قد اختلف العلماء بحكمها فقد قال بعضهم و هم قلة  بندبها و قال الجمهوربوجوبها .
 فذهب المالكية إلى الوجوب قال ابن خويز منداد: واجب على الولاة المشاورة  فيشاورون العلماء فيما يشكل من أمور الدين, ويشاورون وجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب, ويشاورون وجوه الناس فيما يتعلق بمصالحهم، ويشاورون وجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب, ويشاورون وجوه الناس فيما يتعلق بمصالحهم، ويشاورون وجوه الكتاب والعمال والوزراء فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها ، وأشار ابن العربي إلى وجوبها بأنها سبب للصواب فقال: والشورى مسبار العقل وسبب الصواب يشير إلى أننا مأمورون بتحري الصواب في مصالح الأمة, وما يتوقف عليه الواجب فهو واجب،  ، و ذهب الشافعية إلى ذلك  ،فقد قال الإمام النووي في صدر كتاب الصلاة من شرح مسلم : الصحيح عندهم وجوبها وهو المختار .وقال الفخر الرازي : ظاهر الأمر أنه للوجوب.و قال الجصاص الحنفي في كتابه أحكام القرآن عند قوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ: هذا يدل على جلالة وقع المشورة لذكرها مع الإيمان وإقامة الصلاة ويدل على أننا مأمورون بها، ومجموع كلام الجصاص يدل أن مذهب أبي حنيفة وجوبها. و قال ابن تيمية : لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، وإذا استشارهم, فإن بين له بعضهم ما يجب اتباعه من كتاب الله، أو سنة رسوله، أو إجماع المسلمين, فعليه اتباع ذلك, ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك ،  حتى قال الكثير بوجوب عزل الأمير إذا تفرد برأيه و مارس الحكم دون أن يلتفت إلى الشورة أو يعمل بها و هي الديكتاتورية التي قام عليها رؤساء و ملوك هذا الزمن فقد قال ابن عطية الأندلسي : و الشورى من قواعد الشريعة و عزائم الأحكام ، من لا يستشير أهل العلم و الدين فعزله واجب و هذا ما لا خلاف عليه .و من العلماء المعاصرين من قال بوجوب الشورى و عزل الأمير الشهيد عبد القادر عودة و ابو الأعلى المودودي و سيد قطب و الدكتور يوسف القرضاوي و غيرهم
فإذا علمت هذا وظهر لك أن الإمام يجب عليه أن يشاور أهل الحل والعقد فيما ينزل بالأمة من النوازل وما يحتاج إلى مشاورتهم فيه, فاعلم أن الواجب عليه أن يوازن بين أقوالهم فينظر أقربها إلى الكتاب والسنة وأوفقها للمصالح التي تعتبرها الشريعة فيقدم أرجح أقوال المستشارين فيما يبدو له, ولا يلزمه أن يأخذ بقول جماعة منهم دون غيرهم، بل القول الذي يظهر له رجحانه وموافقته للمصلحة فإنه يأخذ به سواء كان رأي أكثرهم، أو أقلهم، أو كان رأيا بين رأيين, هذا ما يدل عليه كلام أهل العلم .
فمن ذلك ينبغي أن يتبين لكل قائد و لكل أمير ، أن عليه أن مشاورة أهل الخبرة و وجوه الصلاح ممن يتأمر عليهم بأي أمر ، و خاصة في المعارك والخطط الحربية و ما يتعلق بها في أرواحهم و حياتهم ، و إذا نزل على رأي الأكثرية فعلى الجميع الطاعة و الانصياع حتى تتوحد الكلمة . وما ضر الأمة أكثر من تفرد الأمير برأيه ، فهو الطامة الكبرى التي جعلت كل طاغية يتربع على كرسية عشرات السنين ، و وصل الناس بعهده إلى التهلكة و الذل و الهوان ، و ما ثورتنا المباركة إلا ثورة ضد الظلم و الطغيان ، الذين جاءا من وراء كم الأفواه و الديكتاتورية الظالمة و اختصار البلاد و أهلها بالحاكم المتفرد ، نسأل الله الرحمة لشهدائنا ، و الفرج على معتقلينا ، و النصر القريب المؤزر .

المراجع

رابطة ادباء الشام

التصانيف

شعر   أدب    كتاب